قوله: {وإن خفتم علية فسوف يغنيكم الله من فضله إن شاء} العلية، بمعنى الفقر - وذلك أن الناس قالوا: لتقطعن عنا الأسواق، ولتهلكن التجارة، ولتذهبن عنا الخيرات وما كنا نصيب من المرافق فانزل الله الآية - ثم حقق الله وعده للمؤمنين إذ عوضهم مما أعطاهم من الجزية بدلا مما كانوا يسكبونه من المشركين قبل منعهم من قربان المسجد الحرام - {الله عليم حكيم} الله أعلم بما يصلح عليه الناس وما يستقيم عليه شأنهم - وهو كذلك {حكيم} في أوامره ونواهيه وأحكامه - ولا يصدر ذلك كله إلا عن حكمة بالغة وتدبير رباني منزه عن الخطأ والزلل، ويحتمل إغناؤهم من الله وجها آخر، وهو إدرار المطر عليهم، وقد أسلمت العرب فتمادى حجهم ونحرهم وذلك يفضي إلى تحصيل السعة لهم والبحبوحة.
قوله تعالى: {قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الأخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون} .
بعد استقرار الحال في جزيرة العرب ودخول المشركين في دين الله أفواجا مسلمين، أمر الله في هذه الآية بقتال أهل الكتاب - بذلك أمر الله في هذه الآية نبيه صلى الله عليه وسلم بالاستعداد لقتال أهل الكتاب من اليهود والنصارى وذلك في سنة تسع - ومن أجل ذلك تجهز رسول الله صلى الله عليه وسلم لقتال الروم في تبوك - وقد اجتمع له من المقاتلة نحو ثلاثين ألفان ويستدل من هذه الآية أن الجزية إنما تؤخذ من أهل الكتاب فقط أو من أشبههم المجوس؛ فقد صح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذها من مجوس هجر - وبذلك لا تؤخذ الجزية من غير أهل الكتاب كالمشركين والوثنين، وهذا مذهب الشافعية والحنبلية، أما الحنفية الجزية عندهم من جميع الأعاجم سواء فيهم أهل الكتاب أو المشركين، لكنها لا تؤاخذ من العرب من غير أهل الكتاب ولا من المرتدين؛ لأن كفر هؤلاء قد تغلظ؛ فمشركو العرب قد نشأ النبي صلى الله عليه وسلم بين أظهرهم، والقرآن نزل بلغتهم، فالمعجزة في حقهم أظهر - أما المرتد: فلأنه كفر بربه بعد أن هدى للإسلام ووقف على روائعه وكماله، فلا يقبل من الفريقين سوى الإسلام أو القتال زيادة في العقوبة.
أما الإمام مالك فقال بجواز أخذ الجزية من جميع الكفار، من أهل الكتاب والمجوس والوثنين 47.
قوله: {قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الأخر} نفي الله بالإيمان بالله عن أهل الكتاب؛ لأن سبيلهم سبيل من لا يؤمن بالله؛ إذ يصفون الله بما لا يليق أن يوصف به؛ فقد جعلوا له والدا؛ كيهود جعلت عزيزا ابن الله، والنصارى جعلوا المسيح ابن الله وقالوا بالأقانيم الثلاثة، إلى غير ذلك من المقولات المفتراة الظالمة فصارت بذلك عقائدهم مجرد تخيلات موهومة وتصورات مظنونة لا تطوي على غير التخريص الفاضح والضلال الشاطح دون استناد إلى ذرة من دليل سليم - من أجل ذلك نفي الله عنهم الإيمان به - وفوق ذلك فإنهم كفروا بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم وحسبهم ذلك ضلالة وكفرنا، مع أنهم كانوا يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل.