قوله: {فَلَهُ خَيْرٌ مِّنْهَا} أي يجزيه الله أكثر من حسنته أضعافا كثيرة - فما عند الله خير وأعظم مما يقدمه العبد من الطاعات - وقيل: {خَيْرٌ مِّنْهَا} يعني وصل إليه الخير منها - أو له الجزاء الجميل وهي الجنة، وليس {خَيْرٌ} للتفضيل - وعلى هذا فالمراد بالحسنة: لا إله إلا الله، فقد روى البيهقي عن أبي ذر قال: قلت: يا رسول الله، أوصني - قال:"اتق الله، وإذا عملت سيئة فأتبعها حسنة تمحها"قال: قلت: يا رسول الله، أمن الحسنات لا إله إلا الله؟ قال:"من أفضل الحسنات"وفي رواية قال:"نعم هي أحسن الحسنات"وقيل: المراد بالحسنة الإخلاص والتوحيد.
وقيل: أداء الفرائض كلها - والمعنى الأول أولى؛ لعموم اللفظ ولدلالة أل التعريف، على جنس الحسنة بكل أنواعها ومعانيها.
قوله: {وَهُم مِّن فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ} يوم، مجرور بالإضافة لفزع، فهم بذلك آمنون من خوف يوم القيامة؛ إذ الأهوال والمخاوف والأفزاع وكل أسباب الرعب ماثلة بارزة لتعاينها الأبصار والقلوب فيغشاها من الذعر والفزع ما يغشاها.
قوله: {وَمَن جَاء بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ} المراد بالسيئة هنا الشرك وهو قول أكثر المفسرين من السلف - فالذين أشركوا؛ إذ جحدوا وحدانية الله وعبدوا معه آلهة أخرى، فإنهم يكبون على وجوههم في النار، أي يلقون فيها منكوسين على وجوههم، وذلك زيادة في التنكيل.
ويستدل من ذلك أن المراد بهؤلاء، المشركون، لأن مثل هذا الجزاء الوبيل لا يكون إلا في مقابلة الكفر والإشراك بالله.
قوله: {هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} تقول خزنة النار من الملائكة لهؤلاء المشركين المكبكبين في النار زيادة في التعذيب والتنكيل {هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} والاستفهام من باب التوبيخ والتهكم والتقريع، أي ما تجزون هذا الجزاء الأليم من الكبكبة في النار على وجوهكم إلا جزاء كفركم وإشراككم 54.
قوله تعالى: {إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (91) وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآنَ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَن ضَلَّ فَقُلْ إِنَّمَا أَنَا مِنَ الْمُنذِرِينَ (92) وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ سَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَتَعْرِفُونَهَا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} .
المراد بهذه البلدة مكة، و {الذي} ، في موضع نصب، صفة لرب - وحرمها أي عظم حرمتها، وجعلها حرما آمنا لا يسفك فيها دم ولا يصاد فيها صيد، ولا يقطع فيها شجر أو يظلم فيها أحد - والله يأمر نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم أن يقول للناس: إنما أمرت بعبادة ربي وحده، رب هذه البلدة المباركة، الذي جعلها بلدا حراما آمنا، وذلك على سبيل التشريف لمكة والاهتمام بها أكثر من غيرها من البلدان.
قوله: {وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ} وهذا وصف لله الذي أمرت بعبادته وحده؛ فهو مالك كل شيء، الذي تجب له العبادة وحده دون غيره من المخاليق.