فهرس الكتاب

الصفحة 571 من 2536

وفي العزة من حيث مصدرها وامتلاكها وإيتاؤها يقول سبحانه: (ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين ولكن المنافقين لا يعلمون) فالله صاحب العزة ومالكها ومؤتيها لمن يشاء ونازعها ممن يشاء، وليس له في ذلك شريك - ويقول عز وجل في النهي عن موالاة المؤمنين للكافرين: (لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء إلا أن تتقوا منهم تقاة) - ويقول سبحانه مخاطبا المؤمنين: (لا تتخذوا آباؤكم وإخوانكم أولياء إن استحبوا الكفر على الإيمان) ويحذّر النبي (ص) من الاستنصار بأحد سوى الله:"إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله"169.

140 - (وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا)

قوله تعالى: (وقد نزل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله يكفر بها ويستهزأ بها فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره إنكم إذا مثلهم إن الله جامع المنافقين والكافرين في جهنم جميعا) ذلك قرار رباني مفروض على المؤمنين، وهو أن يتجنبوا مجلسا يجتمع فيه الكافرون ليسخروا فيه من كلام الله - وقد ورد أن الآية نزلت في بعض المنافقين كانوا يحضرون مجالس يديرها فريق من الأحبار اليهود، فكانوا يتناولون فيها آيات الله بالطعن الرخيص على نحو من السخرية والاستهزاء.

وقوله: (أن إذا سمعتم آيات الله) معناه: أنه إذا سمعتم -.، ليكون الضمير المتصل اسم أن، وهي هنا مخففة - ولا ينحصر مدلول الآية في مثل هذا السبب المذكور لكن مدلولها ينسحب ليشمل كل حادثة تمتهن فيها كلمات الله أو كتابه الحكيم - وأي امتهانه من هذا القبيل لهو عين الكفر الصراح الذي لا يحتمل وجها آخر، ولا يجرؤ على النيل من كلام الله بالطعن أو السخرية أو الاستهزاء أو التجريح أو الغمز أو التعييب بشيء من تحقير أو زراية إلا معاند كافر أو منافق جحود يخفي في نفسه الكفر.

وقوله: (فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره) ذلك نهي واضح عن القعود مع هؤلاء الكفرة في مجالس السوء حيث يقع التطاول الظالم على كلام الله بالقدح أو الزراية والاستخفاف - على أن القاعدين في مثل هذه المجالس يختلف في شأنهم الحكم بالنظر للمواقف التي يكون عليها هؤلاء القاعدون - فإذا كان القاعد مستمعا لألسنة السوء وهي تنطق بالكفر وتتناول آيات الله بالتحقير والاستخفاف، دون أن يردّ عليهم طعوناتهم وأباطيلهم ودون أن يسفّه فيهم الأحلام الفاسدة والمفترية لينافح بذلك عن دين الله فإنه إذن مثلهم - وهو مثلهم من حيث المعنى غير أنه من حيث الحكم والصورة يكون منافقا، ومعلوم أن الكافرين والمنافقين جميعا في النار.

ذلك هو شأن الذي يقعد في مجالس الكفرة وهم يسخرون من كتاب الله وهو ساكت راض يحمل في نفسه الموافقة بالإقرار بما يقال من كذب وخسة وتخريص - وهو لا يعبأ بما يسمعه من اجترار لئيم تزدرده حناجر الكافرين والمارقين عن الإسلام إذ يتناولونه بالشتائم والقبائح من القول المهين والتجريح المسف - فلا جرم أن يبوء القاعدة في هذه المجالس بالكفر لرضاه بما شاهد وسمع من غير أن يختلج فيه القلب اختلاج الغاضب الغيور على دين الله أن تنتهك حرمته.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت