فهرس الكتاب

الصفحة 1671 من 2536

ذلك تعجيب من ضلال المشركين وفساد قلوبهم وعقولهم؛ إذ يعبدون آلهة فارغة مصطنعة من دون الله، لا تضر ولا تنفع - ولئن كانت آلهتهم من شياطين الجن والإنس فإنها تضر ولا تنفع، وذلك بإغوائها وإغرائها وإضلالها ووساوسها، فهي بذلك تودي بالعابدين السخفاء إلى التعس والشقاء في الدنيا والآخرة - وهم إنما يعبدون آلهة من دون الله سفها وجهالة؛ إذ لا برهان لهم بذلك ولا حجة إلا التشهي واتباع الهوى والجنوح للزيغ والباطل - وذلك هو شأن الإنسان التاعس الذي يمضي في طريق الكفر والباطل ويظاهر المجرمين وأعوان الشياطين على أولياء الله من المؤمنين والمتقين، وهو قوله: (وكان الكافر على ربه ظهيرا) والظهير والمظاهر بمعنى المعين أو المعاون - والمراد أن الكافر يظاهر الشيطان على ربه بالعداوة والشرك والإفساد - ومظاهرة الإنسان للشيطان طاعته في معصية الله.

والمراد بالكافر، الجنس - فالكافرون بعضهم من بعض، وهم بعضهم أولياء بعض، فإنهم يوالون الشيطان من الإنس والجن لمعاداة أولياء الله، فيحادونهم أشد محادّة، ويحاربون أعنف حرب.

قوله: {وما أرسلناك إلا مبشرا ونذيرا} أي ما أرسلناك حفيظا عليهم،

وإنما أرسلناك لتبشر الطائعين بالنجاة والسعادة والفوز بالجنة،

وتنذر العصاة والمجرمين بالعذاب الشديد.

قوله: (قل ما أسألكم عليه من أجر) أي لم أطلب منكم أجرة على تبليغكم دعوة الله

(إلا من شاء أن يتخذ إلى ربه سبيلا)

استثناء منقطع؛

أي لكن من يشاء منكم أن يتخذ إلى الله طريقا يسلكه بإنفاقه من ماله في سبيل الله وتقربا إليه فليفعل.

قوله: (وتوكل على الحي الذي لا يموت) التوكل على الله، إظهار العجز أمام جلاله وعظيم سلطانه، والاعتماد عليه والاستسلام إليه - والاسم التكلان 41 وهو اعتماد القلب على الله في كل الأمور - وما الأسباب بعد ذلك إلا وسائط ومقدمات أمر الله بها دون الاعتماد عليها.

كذلك يكون المسلم؛ فإنه يعتمد على الله في شأنه كله - لكن الله قد تعبّده باتخاذ الأسباب والمقدمات من أعمال واستعداد ومجاهدة ونحو ذلك - وهو سبحانه يقضي بما يشاء؛ فهو الكبير الفعال لما يريد، وهو المقتدر الذي له الحياة الدائمة، المنزّه عن نقيصة الموت.

قوله: (وسبح بحمده) التسبيح معناه التنزيه؛ أي نزّه الله عما يصفه به المشركون والمفترون مما لا يليق بجلاله العظيم - واذكره في نفسك توسلا وخشية واشكره على ما منّ به عليك من جزيل النّعم.

قوله: (وكفى به بذنوب عباده خيرا) (وكفى به) ، أي كفاك - فحذف المفعول به وهو الكاف، والباء زائدة - و (خبيرا) ، منصوب على التمييز، أو الحال 42؛ أي حسبك بمن صفته الكمال هو الحي الذي لا يموت، عليما بذنوب العباد؛ فإنه لا يخفى عليه منها شيء، وهو مطلع عليها ومحصيها عليهم جميعا ليجازيهم بها يوم القيامة - وفي ذلك من مخاطبة القلوب ما يثير فيها الخشية من الله وينشر فيها المزيد من اليقظة ودوام الترقب والحذر من معاصي الله الذي يعلم السر ولا تغيب عنه الأخبار والخوافي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت