قوله: (ويضرب الله الأمثال للناس لعلهم يتذكرون) يضرب الله هذه الأمثال إفهاما للناس وتذكيرا لهم - وضرب الأمثال لون من ألوان التصوير الحامل للمعاني الذي ينشر الإثارة والاهتمام في الأذهان والنفوس.
قوله: (ومثل كلمة خبيثة كشجرة خبيثة) الكلمة الخبيثة يراد بها الكفر - وقيل: المراد الكافر نفسه، والشجرة الخبيثة هي شجرة الحنظل - وهو قول أكثر المفسرين.
والأظهر تأويل الكلمة الخبيثة بالكفر؛ لما يفهم من السياق بعد ذلك، وهو قوله تعالى: (كشجرة خبيثة) ذلك أن الكفر جُماع الشر والفساد والضلال والزلل؛ لأن الإعراض عن منهج الله، والاستكبار على الحق وعلى رسالات النبيين، ليس ذلك كله إلا غاية العتو والتمرد والخطيئة، وإنه لا يعصي أمر ربه إلا ضال تائه فاجر، أو ظلوم مغرور خاسر، وهو في السوء والخطيئة والظلام سادر.
إن الكفر بكل صوره ومعانيه وضروبه وأبعاده، ومن حيث الإدبار عن شريعة الله والنكول عن منهجه الحكيم، لا جرم يفضي بالضرورة إلى الهوان والخسران وفساد الأفراد والمجتمعات في هذه الدنيا - وهذه حقيقة مكشوفة ومشهودة نجدها ونحسها في المستنكفين عن منهج الله في كل زمان ومكان.
ذلك هو الكفر بفساده وظلامه وشروره أشبه بالشجرة الخبيثة، شجرة الحنظل مما هو كريه وممجوج لشدة سوءه ومرارته.
قوله: (اجتثت من فوق الأرض ما لها من قرار) أي أن الشجرة الخبيثة الكريهة الممجوجة ليس لها أصل مكين في الأرض فيسهل استئصالها واجتثاثها حتى لا يبقى منها باقية - وهي في مرارتها وضعفها وسوء مذاقها كالكفر ليس له أصل يضرب في عميق الإنسان بل إنه ما له من قرار مكين ثابت.
ذلكم هو الكفر بكل صوره وأشكاله ومسمياته مضطرب وهزيل وخائر فما يلبث أن يفنى ويتبدد حتى لا يبقى منه إلا الأثر أو الخبر 30.
قوله تعالى: {يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة ويضل الله الظالمين ويفعل الله ما يشاء} (يثبت) ، بالتشديد يعني التمكين عند الشدة 31.
والمعنى: أن المؤمنين العاملين المخلصين يثبت الله قلوبهم بتمكينها عند الأهوال وفي ساعات الشدة سواء في الدنيا أو الآخرة.
والإنسان من جهته، لا مناص له من مواجهة الأهوال والبلايا في كلتا الدارين؛ فالذين كفروا من الضالين والمضلين الذين زاغوا عن ملة الحق وتنكبوا عن منهج الله؛ لا جرم أنهم الأخسرون في هذه الدنيا، حيث الفتن والمفاسد والأسقام النفسية والشخصية والاجتماعية وغير ذلك من الأمراض التي تسري في الجاحدين الشاردين عن سبيل الله - وفي الآخرة هم الأذلون التعساء الذين يواجهون الخزي والويل والنار - أما عباد الله الطائعون الثابتون على الحق الماضون على دين الله ومنهجه، لا جرم أنهم الثابتون الذين يمكنهم الله في الدارين تمكينا، فلا تثنيهم الشدائد والفتن عن الاستمساك بالحق، ولا يزيغون عن منهج الله مهما كانت الظروف، أو عصفت بهم رياح الظالمين والمتآمرين والخائنين الذين يتمالأون على الإسلام والمسلمين في كل حين.