قوله: (وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل) يخاطب بذلك على وجه الخصوص الحكام والأمراء والولاة - وقيل إن الخطاب موجه في معناه لجميع الناس فهم مدعوّون للحكم بالعدل إذا ما حكموا - وبذلك فإن كل إنسان مسلم مكلف نيط به وجوب الحكم بالعدل مهما تكن منزلته بين الناس أو مرتبته التي يتخوّل بموجبها أن يسوس جزءا من أمر العباد - والعدل من الجوانب العظيمة التي يقوم عليها نظام الحكم في الإسلام وهو جانب أساسي وركين يتجلى بسببه وجه الحق جليا مستبينا وإذا لم يكن الأمر كذلك فثمة وجه الباطل يسام العباد من خلاله ألوان الشقاء والبلاء - والله جلّت قدرته يحذّر من الظلم في عواقبه الوخيمة وبوائقه التي تبعث الشر والفتة وتغمر الأرض بالأزمات والويلات والمعاناة، فإنه سبحانه سميع بصير، فهو يسمع ويرى كل ما يجري على الأرض أو يدب على متنها بدءا بالنملة البسيطة الساربة أو ما دونها وانتهاء بالإنسان المفكر المدبر المريد، إنه سبحانه محيط علمه بما يدور بين الكائنات جميعا - فهو كما قال عن نفسه: (لا يعزب عنه مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض) 98.
59 - (يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلا)
قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا) .
الطاعة هي الخضوع والامتثال للأمر، والمعصية تعني المخالفة للأمر - والله سبحانه يأمر المؤمنين بطاعته هو جلّت قدرته - وطاعته تتحقق في الالتزام بتعاليم القرآن بما فيه من أوامر وزواجر أو حدود وقصاص أو نهي وتحذير - وكذلك يأمرهم بطاعة رسوله الكريم بالالتزام بسنته حال حياته أو بعد مماته - وكذلك فإن أولي الأمر طاعتهم واجبة - وقد قيل: إن المقصود بأولي الأمر هم الحكام والأمراء والقادة الذين يتسلمون مقاليد الحكم والرئاسة ليسوسوا الناس بالحق والعدل - وقيل: بل المقصود معاشر العلماء والفقهاء الذين يبينون للناس ما نزل إليهم في الكتاب وما ورد في سنة النبي (ص) ، وهذان القولان خير ما جاء في بيان (وأولي الأمر) ولا نركن لما ورد من أقوال أخرى بعيدة عن الصواب.
وفي طاعة الحكام والأمراء المسلمين الذين يسوسون الناس بشريعة الله يقول النبي (ص) فيما رواه البخاري:"واسمعوا وأطيعوا وإن أمّر عليكم عبد حبشي كأن رأسه زبيبة"وأخرج مسلم عن أبي هريرة أن النبي (ص) قال:"أوصاني خليلي أن أسمع وأطيع وإن كان عبدا حبشيا مجدوع الأطراف"- وأمثال ذلك كثير من السنة النبوية بما يدل على وجوب الطاعة من الرعية للراعي في المنشط والمكره - على أنه يجب التنبيه إلى شرطين ينبغي توفرهما لتكون طاعة المسؤول مشروعة وملزمة.
أحد هذين الشرطين: أن تكون الطاعة في غير معصية الله فإن كان شيء من معصية فلا مساغ عند ذلك للطاعة - فقد أخرج أبو داود في سننه عن عبد الله بن عمر عن رسول الله (ص) قال:"السمع والطاعة على المرء المسلم فيما أحب وكره ما لم يؤمر بمعصية فإذا أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة".