فهرس الكتاب

الصفحة 392 من 2536

قوله: (وكأين) بمعنى كم - وأصل الكلمة أي، دخلت عليها كاف التشبيه وتبتت معها فصارت بعد التركيب بمعنى كم، وصورت في المصحف نونا؛ لأنها كلمة نقلت عن أصلها فغير لفظها لتغيير معناها ثم كثر استعمالها فتصرفت فيها العرب بالقلب والحذف فصار فيها أربع لغات منها قوله: (وكأين) بالتشديد - والمعنى كثير من الأنبياء قاتل معه العدد الكثير من أصحابه وهم الربيون، فأصابهم من عدوهم قرح فما وهنوا؛ لأن الذي أصابهم إنما هو في سبيل الله وطاعته وإقامة دينه ونصرة رسوله - فكذلك ينبغي أن تفعلوا مثل ذلك يا أمة محمد - وهذا المعنى مبني على قراءة"قاتل"- وثمة قراءة أخرى وهي: قتل معه ربيون كثير 239 والأولى الراجحة في نظري لاتساق المعنى المقصود - وهو تشجيع المسلمين على القتال وعدم الفرار أو قبول الإرجاف - فإن كثيرا ممن سبقكم من النبيين قاتل معهم جموع كثيرة من أتباعهم فما وهنوا.

قوله: (ربيون كثير) الربيون الجماعات الكثيرة، وهم ألوف من الناس - والمفرد: ربّي - بكسر الراء وتشديد الباء- وأصله من الربة وهي الجماعة كأنه نسب إلى الربة 240 - قال ابن عباس وآخرون: الربيون، الجموع الكثيرة.

قوله: (فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله وما ضعفوا وما استكانوا) (وهنوا) من الوهن وهو الضعف، أو هو انكسار الجد بالخوف - (وما استكانوا) من الاستكانة وهي الذلة والتخشع والخضوع - فيكون المعنى أن هؤلاء الربيين ما ضعفوا عن عدوهم ولا عجزوا لما نالهم من ألم الجراح الذي نالهم في سبيل الله ولا ذلوا أو تخشعوا لعدوهم بمداهنة عدوهم خيفة منهم ولكنهم مضوا قدما على دينهم الحق وعلى منهاج نبيهم صابرين على ما أصابهم في سبيل الله.

قوله: (والله يحب الصابرين) أي الصابرين على الجهاد وملاقاة العدو وما يقتضيه ذلك من خوف وآلام وجراح وإزهاق لمهج.

قوله: (وما كان قولهم إلا أن قالوا ربنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين) (قولهم) خبر كان منصوب - واسمها (إلا أن قالوا) - أي المصدر من أن والفعل.

والمراد بقوله: (وما كان قولهم) يعني ما كان قول الربيين وهم الجموع الكثيرة الذين ناصروا النبيين السابقين بعد أن أصابتهم محن القتل والجراح والآلام إلى أن لجأوا إلى الله بالدعاء وهو (ربنا اغفر لنا ذنوبنا) فدخل فيه كل الذنوب، سواء كانت من الصغائر أو من الكبائر، ثم إنهم خصوا الذنوب العظيمة الكبيرة منها بالذكر وذلك لفظاعتها وعظم عقابها وهو المراد من قوله: (وإسرافنا في أمرنا) والإسراف في الشيء والإفراط فيه، وما فيه مجاوزة الحد - والمراد بذلك ههنا: الكبائر.

قوله: (وثبت أقدامنا) أي اجعلنا ممن يثبت لحرب عدوك وقتالهم ولا تجعلنا ممن يفر أو ينهزم أو يستكين.

وذلك ترشيد من الله لأمة محمد صلى الله عليه و سلم يدعوهم فيه للثبات على الحق ومحذرا إياهم من التردي والانتكاس والركون للوهن والذلة، أسوة بالربيين السابقين ويحضهم بعد ذلك للاستعانة بالله واستدامة الدعاء والرجاء بالمغفرة وتثبيت الأقدام في الحرب والنصرة على الكافرين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت