قوله: {فلما كشفنا عنهم الرجز إلى أجل هم بالغوه إذا هم ينكثون} بعد أن سألوا موسى أن يدعو ربه بكشف العذاب عنهم، وأعطوه موثقا أن يصدقوه ويخلوا بني إسرائيل ليذهبوا حيثما شاءوا -إن أذهب هذا البلاء عنهم، استجاب الله لدعاء موسى فكشف العذاب عنهم {إلى لأجل هم بالغوه} أي إلى حين غرفتهم في اليم - وقيل: الموت - وقيل: الأجل هنا هو الحد من الزمان الذي هم بالغوه لا محالة فيعذبون فيه ولا ينفعهم ما تقدم لهم من الإمهال وهو قول الزمخشري - وعقب هذا الكشف اللبلاء عنهم {إذا هم ينكثون} إذا، الفجائية 172 وينكثون، يعني ينقضون - من النكث؛ أي النقص - نكث العهد والحبل ينكثه، بالكسر والضم؛ أي نقصه فانتكث - وتناكثوا عهودهم؛ أي تناقضوا 173.
قوله تعالى: {فانتقمنا منهم فأغرقناهم في اليم بأنهم كذبوا بآياتنا وكانوا عنها غافلين 136 وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون مشارق الأرض ومغاربها التي باركنها فيها وتمت كلمت ربك الحسنى على بني إسرائيل بما صبروا ودمرنا ما كان يصنع فرعون وقومه وما كانوا يعرشون} انتقمنا من النقمة بالكسر، وهي المكافأة بالعقوبة 174 - أي كأفأ الله آل فرعون الظالمين بالإغراق في البحر، فحل بهم من التنكيل والهلاك والذعر ما حل {بأنهم كذبوا بآياتنا} الباء للسببية؛ أي عاقبهم الله هذا العقاب المرير جزاء تكذيبهم بآيات الله من الدلائل والحجج والمعجزات الواضحة المشهودة {وكانوا عنها غافلين} أي جزاء غفلتهم عن هذه الآيات التي تبين لهم في وضوح كامل نبوة موسى وصدق رسالته وأنه مبعوث لهم من ربه - لكنهم لم يعبأوا بهذه الدلائل والبراهين ولم يكترثوا بها.
137 - (وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ)
وبعد أن أهلك الله فرعون وجنده الظالمين أورث الله بني إسرائيل الذين كانوا مستضعفين والذين سامهم فرعون القهر والقتل والإذلال والاستعباد -أورثهم مشارق الأرض ومغاربها التي بارك الله فيها، وهي أرض مصر والشام وقد بارك الله فيها بالماء والخصب والخيرات والسعة.
قوله: {وتمت كلمت ربك الحسنى على بني إسرائيل بما صبروا} الآية؛ أي مضت كلمة الله وهي وعده لنبي إسرائيل بالنصر والتمكن بعد كشف البلاء عنهم وإهلاك عدوهم فرعون وقومه الظالمين - والحسنى مؤنث الأحسن، وهي صفة للكلمة وذلك بسبب صبرهم على البلاء واحتمالهم الأذى وما حل بهم من طغيان فرعون وقهره وإجرامه.
قوله: {ودمرنا ما كان يصنع فرعون وقومه وما كانوا يعرشون} أي اهلك الله ما أقامه فرعون وقومه من البينان والعمران {وما كانوا يعرشون} أي ما كانوا يبينون من البيوت الفخمة والقصور العالية؛ فقد دمر الله ذلك كله تدميرا؛ فأتى عليه الإهلاك والتخريب حتى بات أثرا بعد عين.