قوله: {وأتممت عليكم نعمتي} وذلك بفتح مكة ودخولها آمنين منتصرين وهزيمة الشرك والمشركين وهدم أركان الجاهلية بكل مقتضياتها من الظلم والفساد والضلال.
قوله: {ورضيت لكم الإسلام دينا} دينا منصوب على التمييز - وقيل: مفعول به ثان - وذلك إيذان من الله للمسلمين أنه اختار لهم دين الإسلام ليكون لهم الدين المرضي دون غيره من الأديان - ويؤكد ذلك قوله عز وعلا: {ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه}
وقوله: {إن الدين عند الله الإسلام} - قوله: {فمن اضطر في مخمصة غير متجانف لإثم فإن الله غفور رحيم} اضطر، أي دعته ضرورة إلى فعل هاتيك المحظورات مثل أكل الميتة وغيرها من المحرمات والمخمصة تعني المجاعة - أو هي خلو البطن من الطعام وجمعه خماص، ومنه الخبر"تغدو خماصا وتروح بطانا"أي تذهب في الصباح ضامرة البطون لخلوها من الطعام، وتعود في المساء مليئة البطون شبعا.
والمتجانف، من الجنف وهو الميل - والإثم المعصية وفعل الحرام: وقيل: معنى الإثم هنا أن يأكل فوق الشبع تلذذا - وقيل: أن يكون عاصيا بسفره.
وجملة القول أن من ألجأته ضرورة لتناول شيء من هذه المحرمات التي ذكرها الله في الآية - فإنه غير مؤاخذ بذلك ما دام غير متعمد ولا منحرف لفعل الحرام ولا مختار له، ولذلك قال: {فإن الله غفور رحيم} 31.
4 - (يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ)
قوله تعالى: {يسئلونك ماذا أحل لهم قل أحل لكم الطيبات وما علمتم من الجوارح مكلبين تعلمونهن مما علمكم الله فكلوا مما أمسكن عليكم واذكروا اسم الله عليه واتقوا الله إن الله سريع الحساب} .
نزلت هذه الآية بسبب عدي بن حاتم وزيد بن مهلهل الذي سماه رسول الله صلى الله عليه وسلم زيد الخير بدلا من اسمه زيد الخيل، فقد قالا: يا رسول الله إنا قوم نصيد بالكلاب والبزاة، وإن الكلاب تأخذ البقر والحمر والظباء، فمنه ما ندرك ذكاته، ومنه ما نقتله فلا ندرك ذكاته، وقد حرم الله الميتة فماذا يحل لنا؟ فنزلت الآية 32.
قوله: {ماذا} ما في محل رفع مبتدأ، وخبره {أحل لهم} وذا زائدة.
قوله: {أحل لكم الطيبات} يعني الحلال - وهو ما ليس بخبيث وكل ما لم يأت تحريمه في كتاب ولا سنة ولا قياس - وقيل: الحلال ما التذ به آكله وشاربه ولم يصبه به ضرر في الدنيا ولا في الآخرة - وقيل: الطيبات هي الذبائح، لأنها بالتذكية تطيب.
قوله: {ما علمتم من الجوارح} معطوف على الطيبات أي أحل لكم الطيبات وصيد ما علمتم - فقد حذف المضاف وهو"صيد"والجوارح معناها الكواسب من سباع البهائم والطير كالكلب والفهد والنمر والعقاب والصقر والبازي والشاهين، كقوله تعالى: {ويعلم ما جرحتم بالنهار} أي يعلم ما كسبتم من خير ومن شر.
وقوله: {مكلبين} في محل نصب على الحال من علمتم - ومكلبين جمع وفرده مكلب - وهو مؤدب الجوارح ومضريها بالصيد لصاحبها دون غيره ومروضها لذلك - وذلك مشتق من الكلب، لأن التعليم أو التأديب أكثر ما يكون في الكلاب - فاشتق من لفظه لكثرة حصوله في جنسه، أو لأن السباع تسمى كلابا - ومنه دعاء الرسول صلى الله عليه وسلم على ابن أبي لهب"اللهم سلط عليه كلبا من كلابك"وفي رواية"من كلاب الشام"فأكله الأسد وهو في أرض الشام.