فهرس الكتاب

الصفحة 575 من 2536

والصلاة هي عماد الدين وركيزته الأولى وأشرف ما في الإسلام من أعمال لكنها تستلزم همة ونشاطا كبيرين - وبذلك فإنه كثيرا ما يتخلف عنها المنافقون لافتقاد ما يحفزهم إليها أو يرغبهم فيها، وهم لا يأتونها إلا راغمين كسالى ولا يؤدونها إلا وهم فارغة أرواحهم وقلوبهم من أي معنى أو خشوع، وأكثر ما يتخلفون عن صلاة العشاء والفجر، وهم ينتشر فيهما الظلام فلا يراهم الناس - وفي ذلك يقول النبي (ص) كما ثبت في الصحيحين:"أثقل الصلاة على المنافقين صلاة العشاء وصلاة الفجر ولو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حبوا ولقد هممت أن آمر بالصلاة فتقام، ثم آمر رجلا فيصلي بالناس، ثم انطلق برجال معهم حزم من حطب إلى قوم لا يشهدون الصلاة فأحرق عليهم بيوتهم بالنار".

وقوله: (ولا يذكرون الله إلا قليلا) المنافقون تخلو قلوبهم من الإيمان فهم صنف من البشر الخبيث الفاسد الذي يخفي في نفسه الكفر ويتراءى للناس في مظهر أو سمت حسن - وهم في حقيقتهم جاحدون منكرون ولا يحملون لله في نفوسهم أي وقار أو خشية أو ذكر إلا بقدر ما يتظاهرون به أمام الناس أنهم مسلمون - وهم إذا ما ذكروا الله فلا يذكرونه عن خشية وخشوع وإنما يذكرونه على مرأى من الناس ليرضوا عنهم وبذلك يكون ذكرهم لله قليلا حسبما تقتضيه طبيعة النفاق من آن لآخر - وقيل في تأويل ذلك: إن المنافقين لا يذكرون الله إلا زمانا قليلا.

وقوله (مذبذبين بين ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء) - التذبذب أو الذبذبة بمعنى التردد بين أمرين مع ما يخالط ذلك من حيرة واضطراب - وتلك حال المنافقين فإنهم دائما مترددون (بين ذلك) أي بين الإيمان والكفر وهم كذلك كما وصفتهم الآية (لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء) أي ليسوا مع المؤمنين ولا مع الكافرين - وحقيقة ذلك أنهم ليسوا مع المؤمنين لا في الظاهر ولا في الباطن، وليسوا مع الكافرين في الظاهر وإن كانوا معهم في الباطن، فهم على هذه الحالة متأرجحون حيارى يغشاهم القلق والاضطراب ويجانبهم الوضوح والثبات المستقر - وتلك هي حال المنافقين المترددين الذين يظلون في معاناة تؤزهم وتقضهم قضا؛ وذلك لما اختاروه لأنفسهم من أسلوب متلجلج خسيس، ولما انتحلوه لأشخاصهم من شواكل يظللها الغش والتأرجح والتدسس.

وقوله: (ومن يضلل الله فلن تجد له سبيلا) هؤلاء المنافقون الفاسدون قد آثروا الباطل وارتضوا لأنفسهم أسوأ أسلوب من التدسس الرخيص والاضطراب المتلجلج - وكان عليهم أن يختاروا منهج الله القائم على الحق والثبات والقسطاس المستقيم، ولله سبحانه يحب لعباده أن تستقيم حاله ليحيوا آمنين مسلمين مطمئنين - لكن هذه النفوس الملتوية المريضة تأبى منهج الله الذي يفرض الحق والاستقامة وحسن القصد، وتأبى إلا أن تعيش في الظلام والضلال فاستحقوا بذلك أن يضلهم الله ليكونوا من أهل الشقاوة والعذاب - أو أن الله جلت قدرته قد هيأ لمثل هؤلاء من أسباب الهدية ودواعي الخير والاستقامة ما يكفي لحمل المرء على المضي في ظل الله وعلى صراطه المستقيم، لكنهم جنحوا في عتو وتمرد ليكونوا في أصحاب السعير وليفروا من نداء الله الكريم إلى نداء الشيطان الرجيم مثلما تفر الحمر البطرة المستنفرة من نداء راعيها المشفق الرحيم 173.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت