سورة محمد - صلى الله عليه وسلم:
بيان إجمالي للسورة
هذه السورة مدنية، وآياتها تسع وثلاثون آية - وهي فيها من عظيم الأحكام والأخبار والواعظ ما فيه مزدجر وذكرى لأولى الطبائع السليمة - فضلا عن حلاوة النغم الذي يتجلى في حرف الميم من خواتيم الآيات في هذه السورة - لا جرم أن هذا الجرس الموحي ينشر في أطواء النفس ظلالا من نسائم شتى من البهجة والرهبة والإدّكار.
على أن السورة مبدوءة بالإشارة إلى حبوط الأعمال للكافرين، وإن صلحت أو كثرت فإنه ما من عمل من الصالحات يأتيه كافر إلا كان صائرا إلى البطلان والحبوط - بخلاف المؤمن فإنه يجزى بعمله خير الجزاء - وتتضمن السورة تحريضا للمؤمنين على قتال الكافرين في ساحات الجهاد ليثخنوا فيهم القتل وليشدوا فيهم وثاق الأسارى منهم - ولهم بعد ذلك الخيار في المن أو المفاداة أو القتل، تبعا لما يقتضيه مصلحة الإسلام والمسلمين.
وفي السورة وصف للجنة ونعيمها الدائم، فإن فيها من الخيرات والطيبات ومحاسن العيش الراغد ما تعجز عن تصوره أذهان البشر ويعز على القلم أن يصفها - وفي مقابلة ذلك عذاب جهنم وما فيها من شديد الويلات وعظائم الأمور - وتتضمن السورة كذلك كشفا لحقيقة المنافقين الذين فسدت فيهم الأرواح والطبائع وتبلدت فيهم الضمائر والقلوب فما يستمرئون بعد ذلك الخداع والغش والتحيّل - إلى غير ذلك من الحقائق والأفكار والأخبار والمواعظ والتحذير.
بسم الله الرحمن الرحيم
{الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله أضل أعمالهم 1 والذين آمنوا وعملوا الصالحات وآمنوا بما نزل على محمد وهو الحق من ربهم كفر عنهم سيئاتهم وأصلح بالهم 2 ذلك بأن الذين كفروا اتبعوا الباطل وأن الذين آمنوا اتبعوا الحق من ربهم كذلك يضرب الله للناس أمثالهم} .
يبين الله في ذلك أن الكافرين لا قيمة ولا وزن لأعمالهم وإن كانت في الخير، فإنهم مع كفرهم وتكذيبهم بدين الله وبعقيدة التوحيد، وإنكارهم لليوم الآخر لن يتقبل الله منهم عملا فما جزاؤهم عقب ذلك كله إلا النار - وهو قوله: {الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله أضل أعمالهم} والمراد بذلك عموم الكافرين الذين يصدون الناس عن دين الله وهو الإسلام، ويكرّهون إلى البشرية عقيدة التوحيد، ومنهج الحق ليجتنبوه اجتنابا، ولينحرفوا عنه أيما انحراف - أولئك الأشقياء المضلون عن سبيل الله وهو الإسلام {أضل أعمالهم} أي جعل الله أعمالهم ضلالا وضياعا فلا وزن لها ولا اعتبار - وهي بذلك هباء منثورا ليس لها في ميزان الله أيما قيمة ولو بمثقال قطمير، لأن شرط القبول معدوم من أعمالهم وهو الإيمان بالله ورسوله واليوم الآخر والتصديق الكامل بمنهج الله وهو الإسلام - فما يعلمه المرء في كفره أو نفاقه من وجوه الأعمال النافعة كصلة الأرحام وإطعام الجياع والأضياف والمحاويج وبناء الدور لأهل الحاجة وغير ذلك من وجوه الخير والمعروف، كل ذلك ليس له عند الله أيما وزن أو اعتبار.
وقيل: أبطل الله كيد الكافرين الذين يمكرون بالإسلام والمسلمين، وجعل الدائرة عليهم.