قوله: {ألم تعلم أن الله له ملك السماوات والأرض يعذب من يشاء ويغفر لمن يشاء} الخطاب للرسول صلى الله عليه وسلم ولكل أحد - وهو إعلان من الله أنه هو المالك لجميع الكائنات والمخلوقات مما في السموات والأرض وما بينهن - فهو يحكم كما يشاء ويقضي بما يشاء من غير معقب لذلك - وهو سبحانه يغفر لمن يستحق المغفرة ويعذب من يستحق العذاب - وقد قدم المغفرة على العذاب، لأن من شأن الله جل وعلا أن تستبق رحمته عذابه.
قوله: {والله على كل شيء قدير} هذا تبديل يناسب ما سبق من حكم الله في العصاة والتائبين إذ عذب العصاة وغفر للتائبين - والأصل في ذلك كله أن الله قدير أن يفعل ما يشاء 98.
41 - (يَأَيُّهَا الرَّسُولُ لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ)
قوله تعالى: {يأيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر من الذين قالوا ءامنا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم ومن الذين هادوا سماعون للكذب سماعون لقوم ءاخرين لم يأتوك يحرفون الكلم من بعد مواضعه يقولون إن أوتيتم هذا فخذوه وإن لم تؤتوه فاحذروا ومن يرد الله فتنته فلن تملك له من الله شيئا أولئك الذين لم يرد الله أن يطهر قلوبهم لهم في الدنيا خزي ولهم في الآخرة عذاب عظيم} .
جاء في سبب نزول هذه الآية عدة قوال من أهمها ما أخرجه الإمام أحمد عن البراء ابن عازب قال: مر على رسول الله صلى الله عليه وسلم يهودي محمم 99 مجلود فدعاهم فقال:"أهكذا تجدون حد الزاني في كتابكم"فقالوا: نعم - فدعا رجلا من علمائهم فقال:"أنشدك بالذي أنزل التوراة على موسى أهكذا تجدون حد الزاني في كتابكم"فقال: لا والله - ولولا أنك نشدتني بهذا لم أخبرك - نجد حد الزاني في كتابنا الرجم، ولكنه كثر في أشرافنا فكنا إذا أخذنا الشريف تركناه، وإذا أخذنا الضعيف أقمنا عليه الحد، فقلنا: تعالوا حتى نجعل شيئا نقيمه على الشريف والوضيع، فاجتمعنا على التحميم والجلد - فقال النبي صلى الله عليه وسلم:"اللهم إني أول من أحيا أمرك إذا أماتوه"قال: فأمر به فرجم - قال: فأنزل الله الآية {يأيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر من الذين قالوا ءامنا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم} 100 ذلك تأنيس من الله لرسوله الكريم ونهي له عن التأثر والمبالاة من تهافت المنافقين في الكفر بسرعة - أي لا تعبأ ولا تحزن من مسارعة هؤلاء القوم في الكفر بموالاتهم للمشركين وكيدهم للإسلام والمسلمين - فإن الله جل وعلا ناصرك عليهم جميعا وكافيك شرهم ومكرهم.
قوله: {من الذين قالوا ءامنا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم} يعني بذلك المنافقين وقيل: أراد بهم المنافقين وبعض أهل الكتاب من اليهود - فقد كان هؤلاء يظهرون الإيمان بألسنتهم، إذ يتفوهون به كلاما من غير أن تضمره قلوبهم - والجملة {ولم تؤمن قلوبهم} جملة حالية من ضمير {قالوا} وقيل: عطف على {قالوا} .