فهرس الكتاب

الصفحة 1831 من 2536

هذا إخبار من الله عن بالغ قدرته على خَلق ما يشاء؛ فهو جل وعلا خالق كل شيء وهو مدبر الأمور في الكون كله - ومن جملة ذلك إنزال المطر من السماء عقب مراحل متتالية في الطبيعة يأتي بعضها إثر بعض وذلك بدءا يتصاعد البخار من ماء الأرض وظهوره في السماء ليلامس في الفضاء طبقات باردة مما يفضي إلى تكثفه ونزوله على الأرض ثانية مطرا - لا جرم أن الآية الكريمة ههنا؛ إذ تنبئ قبل أدهار طويلة عن ظاهرة المطر وكيفية نزوله، لهي دليل ظاهر ساطع على أن هذا القرآن يسمو على مستوى البشر وهو من صنع إله قادر حكيم، إذ خاطب البشرية بهذه الحقيقة قبل أحقاب غابرة، حينما كانت معارف الناس عن الطبيعة وأحداثها في غاية البساطة والبدائية - وذلك هو قوله: {اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا} إرسال الرياح إنما يقع بقدرة الله ومشيئته - فما من شيء في الطبيعة والكون إلا وتُسيره إرادة الله الخالق المدبّر - والرياح من شأنها أن تثير السحاب؛ أي تهيجه وتنشره في طبقات السماء 37 على أبعاد مختلفة متفاوتة - والسحاب والسحب والسحائب، جمع ومفرده سحابة وهي الغيم 38.

قوله: {فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاء كَيْفَ يَشَاء} البسط، معناه النشر 39 فالله عز وجلا يسخر الرياح لتحمل في خلالها الغيم، وهو المكون من ذرات الماء، فتنشره في السماء متفرقا ممتدا تبعا لما تقتضيه مشيئة الله، فإن شاء جعله قريبا أو بعيدا، وإن شاء جعله كثيرا أو قليلا.

قوله: {وَيَجْعَلُهُ كِسَفًا} أي يجعل الغيم في السماء قطعا متفرقة.

قوله: {فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ} {الْوَدْقَ} ، معناه المطر 40 أي يخرج المطر من خلال السحاب وهو الغيم فينزل على الأرض {فَإِذَا أَصَابَ بِهِ مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ} أي إذا صرف الله هذا المطر إلى أرض أو بلد من البلاد استبشر أهله بذلك، وعمتهم الفرحة والبشرى.

قوله: {وَإِن كَانُوا مِن قَبْلِ أَن يُنَزَّلَ عَلَيْهِم مِّن قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ} في تكرير {قَبْلِ} وجهان - أحدهما: أن يكون التكرير للتأكيد.

والثاني: أن يكون التقدير: وإن كانوا من قبل أن ينزل الغيث عليهم من قبل السحاب لمبلسين - والضمير يعود إلى السحاب.

في قوله سبحانه: {فَتُثِيرُ سَحَابًا} 41 أي إن هؤلاء الذين استبشروا وفرحوا بنزول المطر عليهم كانوا قبل نزوله مكتئبين باحتباسه عنهم - أو كانوا مستيئسين قانطين - 50

قوله: {فَانظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا} يخاطب الله رسوله محمدا صلى الله عليه وسلم وأمته أن تفكروا في نزول المطر، كيف يحيي به الله الأرض، إذ ينبت فيها الزرع بعد مواتها وهمودها - أفلا يقدر من بعث الحياة في الأرض بالزرع والخصب والنماء، أن يحيي الموتى من العباد فيبعثهم من قبورهم - لا جرم أن الله يبعث من في القبور فيحشرهم جميعا ليلاقوا الحساب والجزاء - وذلك قوله: {إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِي الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت