فهرس الكتاب

الصفحة 873 من 2536

قوله: {وما كان جواب قومه إلا أن قالوا أخرجوهم من قرتكم إنهم أناس يتطهرون} ذلك جواب المقبحين من قوم لوط لنبيهم لوط عليه السلام وهو قولهم: أخرجوا لوطا والذين على دينه، الذين يتنزهون عن فعل هذه الكبيرة وهي إتيان الرجال في الأدبار - أخرجوهم من بلدتكم حيث تقيمون وتسكنون - وبمثل هذا يحتج قوم لوط لإخراجهم من بلدتهم - وهو أنهم طاهرون منزهون عن فعل الخبائث - وذلك هو شأن المفسدين الساقطين من الناس الذين يسول لهم الشيطان فعل الأدناس والأرجاس مما لم يسبقهم إليه أناس ثم يتهمون غيرهم من المؤمنين الأطهار بغير تهمة - ويرمونهم في أشخاصهم بصور الظلم ما ليس له وجود البتة - أولئك هم المسرفون في العهر والعار والضلال!

قوله: {فأنجيناه وأهل إلا امرأته كانت من الغابرين} لما أبى قوم لوط دعوة نبيهم لوط لهم بالتطهر والترفع عن رجس اللواط، وتمادوا في فعل هذه الرذيلة المستقذرة أنجى الله أهله الذين آمنوا معه باستثناء امرأته {كانت من الغابرين} أي الباقين في العذاب - غبر الشيء أي بقي - وغبر أيضا مضى؛ فهو من الأضداد؛ فقد أهلك الله امرأة لوط؛ لكفرها وخيانتها وإسرارها للقوم عن أخبار زوجها عليه السلام فهلكت مع الهالكين.

قوله: {وأمطرنا عليهم مطرا فانظر كيف كان عاقبة المجرمين} دمر الله قوم لوط شر تدمير؛ إذ جعل عالي قراهم سافلها وأمطرنا فوق ذك بحجارة من سجيل 127 - كذلك يأخذ الله القرى الظالم أهلها الذين يوغلون في المعاصي والموبقات حتى إذا جاء الكتاب أخذهم الله أخذ عزيز مقتدر.

وبعد هذا الإخبار المخوف عما حل بقوم لوط من الهلاك أمر الله نبيه محمد صلى الله عليه وسلم والمؤمنين بالنظر والتأمل تعجبا من حال القوم الهالكين وتحذيرا للناس في كل زمان من فعل الفواحش 128.

عقوبة اللواط

عقوبة اللواط الحد - وهو يثبت بما يثبت به الحد في الزنا بين الذكر والأنثى - وهو أن تغيب الحشفة أو قدرها - وإنما يتحقق ذلك بالإقرار أو البينة بأربعة شهود عدول كما هو في الزنا.

وقد اختلف الفقهاء في عقوبة اللواط - وهم في ذلك فريقان:

الفريق الأول: هو الإمام أبو حنيفة؛ فقد ذهب إلى أن اللواط ليس فيه حد بل فيه التعزير عن كل من الفاعل والمفعول به - وروي عنه أنه يودع السجن فوق التعزير الذي يجب في حقه - واحتج لذلك من المعقول؛ إذ قال: ليس اللواط زنا، لاختلاف الصاحبة في عقوبته - فقد قيل: عقوبة الإحراق بالنار وهو ما روي عن أبي بكر وعلي -رضي الله عنهما- - وقيل: عقوبته التنكيس من مكان مرتفع ثم إتباعه الحجارة زيادة في التنكيل.

وقال في احتجاجه أيضا: ليس اللواط في معنى الزنا؛ لأنه ليس سببا لإضاعة الولد واشتباه الأنساب كما يقع في الزنا الحقيقي - وكذلك فإن وقوعه نادر؛ لانعدام الرغبة فيه فهو بذلك إنما يجب فيه التعزيز وليس الحد 129.

الفريق الثاني: وهم جمهور المالكية والشافعية وصاحبي أبي حنيفة؛ فقد ذهب هؤلاء إلى وجوب الحد على جريمة اللواط إن كان المتوطلان عاقلين بالغين - أما إن كان أحدهما صغيرا أو مجنونا كان الحد على العاقل البالغ منهما - واحتجوا من العقول فقالوا: اللواط صورة من صور الزنا ففيه الحد.

واحتجوا من السنة بما أخرجه البيهقي عن أب موسى قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذ أتى الرجل الرجل فهما زانيان، وإذا أتت المرأة المرأة فهما زانيتان) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت