قوله: (الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم) (الذين) اسم موصول في محل رفع مبتدأ وخبره الجملة الفعلية (يعرفونه) وفي هذه الآية يبين الله لنبيه والمسلمين أن اليهود لا يكذبون عن قناعة ويقين، وإنما ذلك عن تعصب فاسد وجحد مكشوف لئيم - ذلك أنهم يعرفون حقيقة هذا النبي وأنه لصادق، فقد كانوا يقرأون في كتابهم (التوراة) عن خبره قبل مبعثه، وكانوا كذلك يعزمون على مناصرته وتأييده، لكنه ما أن ابتعث الله هذا النبي الكريم الخاتم حتى كانت يهود أشد الناس له عداوة، وأشدهم عليه تحريضا واستفزاز وتمالؤا مع أنهم يعرفون شخصه وصدق نبوته مثلما يعرفون أبناءهم - والمرء أشد ما يكون معرفة بابنه؛ وذلك لشدة تشبثه ولصوقه به ولعظيم رأفته به وفرط حدبه عليه؛ لذلك قال سبحانه: (وإن فريقا منهم ليكتمون الحق وهم يعلمون) إن فريقا من يهود يخفون خبر النبي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة (وهم يعلمون) يعلمون أن النبي حق، وأنه لصادق، ويعلمون أيضا أنهم كاذبون متعصبون، وأنهم لا يتورعون عن الخيانة والخداع والتضليل.
وقوله: (الحق من ربك فلا تكونن من الممترين) (الحق) مبتدأ مرفوع، وشبه الجملة بعده في محل رفع خبر - وقيل الحق منصوب على المفعولية لفعل محذوف تقديره لزم - الله جلت قدرته يثبت قلب النبي (ص) والمسلمين من بعده ويبين لهم أنهم على الحق، سواء في ذلك استقبال القبلة الجديدة أو الدين العظيم الذي كتبه الله لهم طريق ومنهاجا - إن الله يبين لهم ذلك؛ ليثبتوا على الحق وليزدادوا إيمانا مع إيمانهم وليظلوا على الدوام مستمسكين بحبل الله المتين، فلا يحيدوا أو يضلوا ولا يكونوا من (الممترين) وهو اسم فاعل من الامتراء ومعناه الشك، ومنه المرية والتماري - والفعل امترى وتمارى أي شك 140 - وفي هذا يحذر الله عباده من الوقوع في الشك فيظلوا مزعزعين مترددين متلجلجين 141.