والمقصود بالفاحشة أو الفحشاء ما نهت عنه الشريعة، وغالبا ما تردد في القرآن بمعنى الزنا، وقيل: السوء ما لا حد فيه، أما الفحشاء ما وجب فيه الحد.
وقوله: (وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون) جملة أن تقولوا في محل جر معطوف على السوء والفحشاء، فإن الشيطان لا يكتفي أن يغري عبيده وأتباعه من البشر بفعل السوء والفحشاء، ولكنه يذهب إلى أشد من ذلك إجراما ونكرا وهو التسويل لهؤلاء العبيد والأتباع أن يفتروا على الله الكذب بمختلف الوجوه - فيقولوا هذا حلال وهذا حرام حرام بغير علم - وقيل: بل المراد أولئك الذين حرموا على أنفسكم البحيرة والسائبة والوصيلة والحام فجعلوه شرعا لهم افتراء على الله - وغير ذلك من وجوه الافتراء على الله، سواء باصطناع الأقوال أو الآراء أو الشرائع أو المذاهب أو النحل التي تنسب إلى الله كذبا وزورا مما نسمعه أو نشاهده أو نقرأ عنه كثيرا، في هذا الزمان وفي الأزمنة الفائتة - وذلك هو القول على الله بغير علم يحفز الشيطان عبيده وأتباعه لاصطناعه؛ ليكونوا ظالمين مفترين، وليثيروا في الناس أسباب الشك والخلط والبلبلة، وليعيثوا في الأرض تشويها وإفسادا.
قوله تعالى: (وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما ألقينا عليه آباءنا أو لو كان آباؤهم لا يعقلون شيئا ولا يهتدون ومثل الذين كفروا كمثل الذي ينعق بما لا يسمع إلا دعاء ونداء صم بكم عمي فهم لا يعقلون) - المراد بذلك المشركون الذين إذا دعاهم النبي (ص) إلى دين الله حيث التوحيد الخالص والشرع الكامل العظيم، فإنهم يتذرعون بذريعة سقيمة فاسدة (بل نتبع ما ألقينا عليه آباءنا) أي نتبع من العبادة والدين ما وجدنا عليه آباءنا، وذلك هو التقليد الفاسد الذي لا يركن إلى شيء من التفكير أو الوعي، ولا يستند إلى أدنى درجة من إعمال العقل، وإنما هو الاتباع المجرد الأعمى القائم على الضلال والسفه وتبلد الذهن والتفكير.
وفي مثل هؤلاء المقلدين الصم يقول الله في إنكار وتقريع: (أو لو كان آباؤهم لا يعقلون شيئا ولا يهتدون) الهمزة تفيد الاستفهام في إنكار، والواو للعطف - إن الله جلت قدرته ينعى على هؤلاء الجهلة السفهاء حماقتهم وضلالهم بأنهم يقلدون آباءهم في الباطل حتى ولو كان آباؤهم لا يملكون فهما ولا وعيا ولا هداية.
أما التقليد فهو الأخذ بقول من غير حجة، والمقلد من اعتقد صحة فتيا أو رأي دون استناد إلى برهان، يستوي في ذلك أن يكون المقلد من الجاهلين الذين لا يستطيعون أن يهتدوا إلى حجة أو دليل كالعوام، وهم فئة من الناس لا تملك أثارة من علم أو معرفة - أو أن يكون المقلد من المتعصبين الذين تنثني صدورهم وطبائعهم على أقوال أو آراء معينة، لا يبغون عنها حِوَلًا - ولا يرتضون من دونها بديلا - أولئك صنف من الناس يميل مع طبعه الجانف، ويحفزه هواه المريض فلا يعبأ بالحجة أو المنطق ولا يصبح لصوت العقل السليم والحجة القويمة.
وهذان الصنفان من المقلدين خاطئان - وذلكم هو التقليد الفاسد المرفوض الذي وقع عليه التنديد في الآية الكريمة؛ لما فيه من إزهاق للمنطق السليم أو الحجة النيرة الراجحة، ولما فيه من اتباع للهوى الذي يحرف المرء صوب العناية والضلالة والباطل.