قوله تعالى: {عسى الله أن يجعل بينكم وبين الذين عاديتم منهم مودة والله قدير والله غفور رحيم 7 لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبرّوهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين 8 إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين وأخرجوكم من دياركم وظاهروا على إخراجكم أن تولّوهم ومن يتولهم فأولئك هم الظالمون} .
بعد إعراض المسلمين عن الكافرين وتركهم موادتهم واجتناب مصانعتهم وملاينتهم بين الله لهم أنه عسى أن يجعل بينهم وبين هؤلاء الذين عادوهم من المشركين مودة وألفة، ففعل الله بهم ذلك، إذ أسلم كثير من مشركي قريش فصاروا لهم إخوانا وأولياء وأعوانا.
قوله: {والله قدير} الله مقتدر أن يقرب بين المتاعدين فيشد قلوبهم بعضها إلى بعض بعد تنافر وتباغض - إنه سبحانه قادر أن يؤلف بين القلوب بعد ما غشيها من الضغينة والجفوة ما غشيها - وفي الحديث"أحبب حبيبك هونا ما، فعسى أن يكون بغيضك يوما ما، وأبغض يغيضك هونا ما، فعسى أن يكون حبيبك يوما ما"وقال الشاعر:
وقد يجمع الله الشتيتين بعد ما - - - يظنان كل الظن أن لا تلاقيا
قوله: {والله غفور رحيم} الله يغفر الذنوب لمن تاب من المشركين فآمن وأناب إلى ربه مؤمنا طائعا مستقيما - وهو سبحانه رحيم بعباده المؤمنين فلا يعذبهم بعد متابهم.
قوله: {لاينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين} هذه رخصة من الله للمسلمين بموادعة الذين لم يقاتلوهم من الكافرين ولم يخرجوهم من ديارهم، {ولم يظاهروا} أي لم يساعدوا على إخراجهم، والمراد بهم الضّعفة من نساء الكافرين وصبيانهم وغيرهم من الضعفة الذين لا يملكون حيلة ولا يقدرون على إيذاء المسلمين لضعفهم وعجزهم وانشغالهم في خاصة أنفسهم، في ينهى الله عن مبرّة هؤلاء ليحسنوا إليهم وليعاملوهم بالرفق واللين والرحمة وأن يقسطوا إليهم، وهو أن يعاملوهم بالعدل والوفاء، {إن الله يحب المقسطين} الله يحب الذين يعدلون فلا يجورون أو يميلون، وذلك تهييج للمؤمنين ليعدلوا ويستقيموا في أقوالهم وأفعالهم.
قوله: {إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين وأخرجوكم من دياركم وظاهروا على إخراجكم أن تولّوهم} يعني ينهاكم ربكم أيها المؤمنون عن موالاة الكافرين الذين أخرجوكم من دياركم وساعدوا على إخراجكم، أولئك ينهاكم الله أن تكونوا لهم أولياء وأخلاء وأعوانا، وما ينبغي لمسلم أن يوالي المشركين الظالمين الذين تمالئوا على قتال المسلمين وعلى إخراجهم من أوطانهم أو عانوا على إخراجهم وتشريدهم - وما ينبغي لمسلم فيه بقية من إيمان أو مروءة أن يوالي الكافرين الظالمين المعتدين فيناصرهم ويسارّهم ويمالئهم على أهله وإخوانه من المسلمين، {ومن يتولّهم فأولئك هم الظالمون} ومن يتخذهم لنفسه أولياء وأخلاء فيوادّهم ويناصرهم ويمالئهم على المسلمين فإنه ظالم لنفسه بمخالفة أمر الله وخروجه من زمرة المؤمنين ليكون في صف الكافرين من أعداء الله 7.