قوله تعالى: {وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَن نَّفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ} التي راودته هي امرأة العزيز، إذ كان يوسف في بيتها؛ فقد بهرها بحسنه وسمته الكريم حتى شغفها حبا، فراودته عن نفسه؛ أي طلبت منه في تلطف ولين - والمراودة تعني التلطف في الطلب وفيها معنى المخادعة 29، فهي بذلك حاولته على نفسه ودعته إليها لما وجدت في قبلها من بالغ المحبة له والتشبث به - فما استطاعت أن تضبط رغبتها وتصطبر؛ بل بادرت إلى مصارحته بما تريد - ولذلك غلقت الأبواب - {وغلقت} ، بالتشديد، للتكثير؛ لأن الأبواب كانت كثيرة فأغلقتها جميعا {وقالت هيت لك} {هيت} ، اسم فعل أمر بمعنى هلم، أو أقبل، أو تعال 30، وبذلك دعته في صراحة إلى المواقعة لكنه عليه السلام والسلام أعظم من أن ينزلق إلى هذا المنزلق من الشهوة الراحم - وهو منزل لا ينحدر إليه عباد الله الأبرار، فكيف برسول كريم عظيم سليل النبوة والطهر والرسالات، يوسف عليه السلام؟! وبذلك {قال معاذ} {معاذ} ، منصوب على المصدر - يقال: عاذ يعوذ معاذا وعوذا وعياذا 31؛ أي لما دعته امرأة العزيز للمواقعة قال لها: أعصتم بالله وأستجير به مما تدعونني إليه {إنه ربي أحسن مثواى} يعني إنه سيدي أحسن منزلتي وأكرمني؛ إذ أوصاك أن تكرمي مثواي فلا أخونه في أهل وبيته - {إنه لا يفلح الظالمون} الظالمون الذين يستبدلون الخبيث بالطيب، والفاحشة بالطهر، والفساد بالصلاح، وكل ذلك ظلم - وما تدعونني غليه خيانة وفحش؛ فهو ظلم ولا يفلح من يقع فيه.
قوله تعالى: {وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلا أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاء إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ} {هيت} من الهم وهو العزيمة - هم يهم؛ أي عزم يعزم 32 - هم بالأمر إذا قصده وعزم عليه - والمراد بالهم من يوسف: ما كان في دخيلته من خطوات القلب أو حديث النفس مع الامتناع - فما كان منه غير حديث نفس من غير فعل - ولا يؤاخذ العبد على ما يخطر بباله أو يحدث به نفسه - لكن امرأة العزيز عزمت على المواقعة وابتغتها لنفسها من يوسف؛ فهي بذلك قد همت بالمعصية وكانت مصرة على فعلها - وهم يوسف بميل الطبع ومنازعة الشهوة ولم يقصد الفعل؛ لأنه الله قد أراه برهانا فامتنع عن العزم أو الفعل، وهذا تأويل قوله: {لولا أن رءا برهان ربه} {لولا} أداة امتناع لوجود - والمصدر من {أن رءا} في موضع رفع مبتدأ - وخبر المبتدأ وهو هنا جواب لولا: محذوف، والتقدير: لولا رؤية برهان ربه لخالطها، أو لفعل ما هم به - وذلك كقوله: هممت بقتله لولا أني خفت الله - أو لولا أني خفت الله لقتله 33.