فهرس الكتاب

الصفحة 2078 من 2536

قوله تعالى: {أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً وَآَثَارًا فِي الْأَرْضِ فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (82) فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (83) فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آَمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ (84) فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ} .

ذلك توبيخ وتعنيف لهؤلاء المشركين المكذبين الذين كانوا يخاصمون في دين الله بالباطل وكانوا يكذبون بيوم القيامة، فيقول الله لهم: {أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ}

يعني أفلم يسر هؤلاء المشركون الذين يحادون في آيات الله من مشركي قومك - في البلاد، فهم أهل سفر وتجارات وتجوال {فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ} أي فيروا ما حل بالجاحدين من سوء العاقبة حيث البلاء والنكال بسبب كفرهم وتكذيبهم، مع أنهم {كَانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً وَآَثَارًا فِي الْأَرْضِ} كان المشركون الأقدمون أكثر من هؤلاء عددا وتنفيرا وكانوا أعظم منهم بأسا وقوة في الأجساد والأموال وقد أثاروا الأرض وعمروها؛ إذْ شادوا فيها المصانع والعمائر والبنيان {فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} {مَّا} ، نافية؛ أي لم يغن عنهم ما اكتسبوه شيئا ولا دفع عنهم من بأس الله وانتقامه مثقال ذرة - وقد تكون {مَّا} استفهامية - فيكون المعنى: ماذا أغنى عنهم ما كسبوه من الأموال والخيرات والعمران والقوة حين نزل بهم الهلاك؟!

قوله: {فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ} لما جاءهم المرسلون بالآيات من عند الله، وبالحجج والبراهين الظاهرة {فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ} {مِنَ} للتبيين، وفيه وجهان: أحدهما، أنه تبيين لقوله: {ما} أي فرحوا بالشيء الذي عندهم من العلم - وثانيهما: أنه تبيين للبينات - والوجه الأول أولى بالصواب 38.

والمراد بالذين فرحوا، الكافرون من الأمم السابقة، فقد أخذهم الغرور والجهالة وظنوا أنهم أولو علم يستغنون به عما جاءهم به النبيون، فلم يلتفتوا إليهم بل كذبوهم وأذوهم وتولوا عنهم مدبرين - وظنوا - واهمين - أنهم مستغنون بعلمهم عنهم - من أجل ذلك أخذهم الله بالعذب والنكال - وهو قوله: {وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ} أي نزل بهم، أو أحاط بهم ما كانوا يستهزئون به ويستبعدون وقوعه وهو العذاب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت