فهرس الكتاب

الصفحة 1531 من 2536

وهو قوله: (وأيوب إذ نادى ربه) أي اذكر أيوب حين دعا ربه في خشوع وتوسل ورضى بما صنع فيه - وجملة ذلك: أن الله بعثه للناس نبيا ورسولا، وبسط عليه من الدنيا الخير الكثير؛ فكان كثير الأهل والمال والولد - وقد ابتلاه الله أشد ابتلاء؛ إذ أمات كل ولده وأذهب عنه ماله جميعا، وابتلاه بالمرض في بدنه سنين طويلة، قيل: سبع سنين، وقيل أكثر - وقيل: ابتلاه الله بمرض الجذام أصاب سائر بدنه، فنفر منه الناس وعافوه وزهدوا في الدنو منه أو مجالسته باستثناء زوجته الصالحة؛ فقد كانت تقوم بأمره، وتصلح شأنه ما استطاعت - وقيل: إنها احتاجت فصارت تخدم الناس من أجله.

وفي هذه الحال العصيبة من شدة البأساء والضراء، وموت الأهل والولد، وانقطاع الصحب والخلان يتوجه هذا النبي العظيم الصابر إلى الله متضرعا متوسلا يدعوه في غاية الخضوع والصبر والطاعة بقوله: (أني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين) الألف واللام في الضر للجنس لتعم الضر في الأهل والمال والبدن وقيل: الضر بالضم خاص بما في النفس من مرض وهزال - وبالفتح، ما كان شائعا في كل ضرر.

قوله: (وأنت أرحم الراحمين) لم يصرح بل اكتفى بذكر ما حل به من بلاء، وما يتجلى في ربه من صفة الرحمة البالغة - وهو يرتجي بذلك أن يكشف الله عنه ما أصابه - وهذا غاية في كمال الطاعة والتأدب مع الله في حسن الطلب.

قوله: (فاستجبنا له فكشفنا ما به من ضر) استجاب الله دعاء أيوب؛ إذ تضرع إليه متذللا متوسلا؛ فكشف عنه ما أصابه من بلاء وهو قوله: (وآتيناه أهله ومثلهم معهم) يفيد ظاهر الآية أن لله رد على أيوب ما كان له من أهل؛ إذ أحياهم له بأعيانهم وآتاه كذلك مثل أهله مع أهله من الأولاد والأتباع (رحمة من عندنا وذكرى للعابدين) (رحمة) منصوب على أنه مفعول لأجله؛ أي كشفنا عنه ضُره وآتيناه؛ ما آتيناه لرحمتنا، إياه وليكون ذلك موعظة لغيره من العابدين فيصبروا مثل صبره ويؤجروا مثل أجره.

قوله: {وإسماعيل وإدريس وذا الكفل كل من الصابرين (85) وأدخلناهم في رحمتنا إنهم من الصالحين (86) } أي واذكر هؤلاء البربرة الصابرين من النبيين - وهم إسماعيل بن إبراهيم، وهو النبي الذبيح الذي كرّمه الله بطهر الذكرى، وعظّمه بفضيلة المعجزة؛ إذ اختاره لواحدة من كبرى المعجزات الربانية بصحبة أبيه خليل الرحمن - ثم افتداه ربه بذبح عظيم لتنجيته من الذبح جزاء ثباته واصطلباره ورسوخه في اليقين والاستسلام لله رب العالمين.

وأما إدريس فهو شيث بن آدم عليه السلام - وأما ذو الكفل، أي ذو الحظ من الله - والكفل معناه الحظ والنصيب 38 وهو نبي، في قول أكثر المفسرين - فقيل: هو إلياس - وقيل: زكريا - وقيل: يوشع بن نون - وقيل: كان عبدا صالحا ولم يكن نبيا.

قوله: (كل من الصابرين) أي هؤلاء الذين ذكرنا، كلهم موصوفون بالصبر - وهذا ثناء من الله عليهم؛ إذ يذكر لهم هذه السجية العظيمة وهي الصبر.

قوله: {وأدخلناهم في رحمتنا إنهم من الصالحين} هذه الفئة المختارة من كرام البشر، قد حفّت بهم رحمة الله الواسعة؛ إذ اصطفاهم الله لرسالته ونشر دينه وكتب لهم الفوز والنعيم في الآخرة - وهم من أهل الخير والفضل والصلاح.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت