فهرس الكتاب

الصفحة 1218 من 2536

وفي هذا الصدد روي الإمام أحمد عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا يتمنين أحدكم الموت لضر نزل به؛ فإن كان ولابد متمنيا الموت فليقل: اللهم أحيني ما كانت الحياة خيرا لي، وتوفني إذا كانت الوفاة خيرا لي) 112.

قوله تعالى: {ذَلِكَ مِنْ أَنبَاء الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُواْ أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ 102 وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ 103 وَمَا تَسْأَلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ} هذا الذي قصصناه عليك يا محمد من أمر يوسف وأبيه يعقوب وإخوته لهو من أخبار الغيب الذي لم تشاهده أنت ولم تعاينه بل أنبأناك به بوحي منا إليك - قوله: {وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُواْ أَمْرَهُمْ} ما كنت حاضرا يا محمد عند إخوة يوسف؛ إذ اتفقوا جميعهم على الكيد ليسوف بإلقائه في مجاهل البئر حيث الهلاك والخطر المحدق {وَهُمْ يَمْكُرُونَ} لقد مكروا بأخيهم يوسف؛ إذ تمالئوا عليه ليلقوه في ظلمة الجب فيخلو لهو وجه أبيهم - وكذلك مكروا بأبيهم يعقوب؛ إذ تمالئوا عليه بالكذب فجاءوه بالقميص الملطخ بالدم المكذوب.

هذه الأخبار العجيبة المثيرة ما كان نبينا محمد صلى الله عليه وسلم -وهو العربي الأمي الذي لم يعفر القراءة ولا الكتابة ولا التاريخ من أنباء الغابرين- يعلم منها شيئا لكن الله أطلعه عليها بوحي من عنده - لا جرم أن ذلك يزجي بقاطع الدلالة على صدق نبوته صلى الله عليه وسلم.

قوله: {وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ} هذا إخبار من الله عن حقيقة مقدورة كبرى ما ينبغي أن تبرح أذهان العلماء والدارسين المسلمين أو الذين يدعون الناس على منهج الله فيتبعوا تعاليم هذا الدين الكامل الحنيف، ما ينبغي لهؤلاء جميعا أن تغيب عن أذهانهم حقيقة أساسية مركوزة دلت عليها كلمات الله هنا، وهي مما يوقف عليه بالاستقراء المشهود - وذلك أن أكثر الناس غير مؤمنين ولا مصدقين ولا مهتدين، وإن حرص النبي صلى الله عليه وسلم أو حرص الدعاة إلى الله من بعده على هداية العباد فبذلوا من الجهد غايته في تبليغ الرسالة والتحضيض على الإيمان بالله وبما أنزله للناس من هداية وتعاليم.

أما السبب الذي يكمن خلف هذه الحقيقة أن الإنسان مشحون بفيض من الشهوات والاستعدادات والغرائز التي تتزاحم فيها الرغبات والأهواء المتعارضة ما بين مستنفر صوب النور وفعل الخيرات والصالحات، أو مضطرب لجوج تستخفه وتستهويه اللذائذ المرغوبة المشتهاة - وليت شعري لو أن التزاحم بين الشقين يجري في معزل عن عوامل أسباب أخرى مريبة ومصطنعة تميل إلى جانب الشهوات والغرائز فتؤزها أزا.

إن الشهوات والغرائز في الإنسان تذكيها أفاعيل الشياطين من الجن والناس؛ فتزيد من تأججها واستعارها على حساب الظواهر والاستعدادات الراقية الأخرى في الإنسان، وذلك هو التأثير الخطير البالغ الذي تفضي إليه الثقافات الضالة المريبة في إضعاف الإنسان وتدميره من الداخل بإفساد فطرته السليمة وما يتجلى فيها من خصائص ومعان ومركبات، حتى يتبدل الإنسان بذلك غير الإنسان السوي، أو تتبدل البشرية غير البشرية الكريمة العظيمة فتنقلب إلى أناسي ضالين غير أسوياء وقد دنست فيهم الفطرة أيما تدنيس.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت