قوله: {واعلموا أنكم غير معجزي الله وأن الله مخزي الكافرين} ذلك إعلان للمشركين أنهم غير فائتين ولا هاربين من إحاطة الله وقدره وإن أمهلهم الله؛ فإنه في كل الأحوال محيط بهم، وهو مخزيهم بإيجاب قتلهم وأسرهم في الدنيا، وتعذيبهم بناره في الآخرة.
3 - (وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ فَإِنْ تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ)
قوله تعالى: {وأذان من الله ورسوله إلى الناس يوم الحج الأكبر أن الله برئ من المشركين فإن تبتم فهو خير لكم وإن توليتم فاعلموا أنكم غير معجزي الله وبشر الذين كفروا بعذاب أليم} {وأذان} ، معطوف على براءة - وفيه الوجهان من الإعراب اللذان ذكرا في {براءة} وهو أنه خبر مبتدأ محذوف - أو أنه مبتدأ، وخبره قوله: {إلى الناس يوم الحج} 8 والأذان، معناه الإعلام - وهذا إعلام صادر من الله ورسوله إلى الناس وهم جميع الخلق {يوم الحج الأكبر} واختلفوا في المراد بالحج الأكبر على قولين - أحدهما: أنه يوم عرفة، وهو مروي عن ابن عباس وعمر وعثمان وسعيد بن المسيب وابن الزبير وعطاء وطاووس، وهو مذهب أبي حنيفة والشافعي؛ فقد احتجوا بما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه خطيب عشية عرفة فقال: (أما بعد، فإن هذا يوم الحج الكبر) .
ثانيهما: أنه يوم النحر، الذي هو أفضل المناسك وأظهرها - وهو رواية عن أبي عباس، وهو قول المغيرة بن شعبة وسعيد بن جبير -واحتجوا بما رواه أبو داود عن ابن عكر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقف يوم النحر في الحجة التي حج فيها فقال: (أي يوم هدا؟) فقالوا: يوم النحر - فقال: (هذا يوم الحج الأكبر) .
وأخرج البخاري عن أبي هريرة قال: بعثني أبو بكر بالصديق (رضي الله عنه) فيمن يؤذن يوم النحر بمنى: لا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان، ويوم الحج الكبر يوم النحر - وقيل: يوم الحج الكبر، أيام منى كلها.
أما سبب التسمية بالحج الكبر؛ فلأن العمرة تسمى الحج الأصغر - وهذا هو الحج الأكبر - وقيل: سمي بذلك؛ لاجتماع المسلمين والمشركين فيه؛ فقد حجوا جميعا في تلك السنة - وقيل غير ذلك 9.
قوله: {أن الله برئ من المشركين ورسوله} رسوله، مرفوع بالابتداء، وخبره محذوف وتقديره: ورسوله برئ - وقيل: مرفوع بالعطف على الضمير المرفوع في {برئ} 10 على أن الفرق بين قوله: {براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين} وقوله: أن الله برئ من المشركين ورسوله: من وجهين:
الوجه الأول: أن المقصود من الكلام الأول: الإخبار بثبوت البراءة - أما المقصود من الكلام الثاني: إعلام جميع الناس بما حصل وثبت.
الوجه الثاني: أن الله تعالى قد أظهر في الكلام الأول البراءة عن المشركين الذين عاهدوا ونفضوا العهد - أما في هذه الآية: فقد أظهر الله فيها البراءة عن المشركين من غير أن يصفهم بوصف معين، وفي ذلك تنبيه إلى أن الموجب لهذه البراءة هو كفرهم وشركهم 11.
قوله: {فإن تبتم فهو خير لكم وإن توليتم فاعلموا أنكم غير معجزي الله} يدعوا الله المشركين إلى التوبة من الشرك والضلال، فإن تابوا فهو خير لهم؛ لما يفضي إليه ذلك من النجاة في الدارين - لكنهم عن تولوا واستمروا على شركهم وضلالهم وعتوهم؛ فإنهم غير معجزين؛ بل إن الله قادر عليهم؛ فهم في قبضته وتحت قهره وجبروته، فلا يعز عليه إهلاكهم وتدميرهم.