فهرس الكتاب

الصفحة 73 من 2536

والبقرة اسم جنس وهي تطلق على الذكر والأنثى، والجمع بقر أو بقرات وهي من الفعل بقر يبقر، بقرت الشيء أي شققته أو فتحته فتحا، ويسمى فلان بالباقر لأنه يبقر كل حجاب ليصل إلى صميم الحقيقة والعلم بعد أن يشق طريقه إلى ذلك شقا، وبقرت البطن أي شققته لبلوغ الجوف - وتبقر في العلم أو المال أي توسع فيه وسميت البقرة بذلك لإمكان شق الأرض وحرثها بالمحراث عن طريقها - 58

أمر الله بني إسرائيل أن يذبحوا مجرد بقرة على طريق الوصول إلى معرفة من قتل الرجل ذا المال، لكن بني إسرائيل كان يعوزهم التواضع وسلامة الطبع والامتثال السريع لأمر الله فعجبوا لمثل هذا الأمر مستنكرين.

(قالوا أتتخذنا هزؤا) قالوا جملة فعلية تتألف من فعل وفاعل، والجملة الفعلية وهي مقول القول في محل نصب مفعول به، والضمير (نا) في محل نصب مفعول به أول، هزؤا مفعول به ثان - والاستفهام هنا بمثابة استنكار من بني إسرائيل لطلب موسى بذبح البقرة، وهو استنكار لا جرم أن يكون باعثه السفه والحماقة، ولا يصدر ذلك أمام جناب الله سبحانه إلا عن قوم نضبت في نفوسهم منابع الخشية والورع وأفلت عن طبائعهم شمائل التواضع والاستحياء من الله فانفلتوا عن التذلل لسلطانه وأمره بالمساءلة الباغية المستنكرة، على أن المطالبة بالذبح ما هي إلا ضرب من الاستهزاء الذي يترفع عنه كل تقي متواضع فكيف إذا كان الطالب نبيا عظيما كليما لله وهو موسى عليه السلام أحد المرسلين العظام أولي العزم؟ فأجابهم موسى ليرد عليهم مقالتهم الظالمة وتخريصهم الجهول.

(أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين) أعوذ من العوذ وهو الاعتصام والالتجاء وموسى عليه السلام يعلن اعتصامه بربه والتجاءه إليه من أن يخوض في عبث من القول الساخر اللاغط مثلما يعرفه هؤلاء القوم وهم يلغظون في عبث سقيم وهزل فاضح.

وقوله: (قوله ادع لنا ربك يبين لنا ما هي (وهنا يبدأ التعنت والسماحة والتبلد في الحس، إذ يطلبون من موسى أن يدعو ربه ليبين لهم ماهية البقرة، وقوله: (ما هي (جملة اسمية تتألف من مبتدأ وخبر، وما أهون الأمر لو أنهم بادروا بالذبح من غير تردد أو مساءلة لقد كان الأمر في غاية اليسر الذي لا يستحق مثل هذا التمحل المغالي الذي ينم على طبع غريب.

(قال إنه يقول إنها بقرة لا فارض ولا بكر عوان بين ذلك (( فارض (خبر مبتدأ محذوف تقديره هي وقيل صفة للخبر (بقرة (والفارض الهرمة التي ولدت بطونا كثيرة (ولا بكر (الواو للعطف، والبكر: الصغيرة التي لم يقع عليها فحل، فلا هي كبيرة هرمة ولا هي صغيرة لم تلد بعد ولكنها (عوان بين ذلك (العوان: النصف من النساء والبهائم وجمعها عون بضم العين، فهي بذلك وسط بين الكبر والصغر، والإشارة (ذلك (تعود على فارض وبكر، وبعد هذا الكشف عن ماهية البقرة يكرر الله دعاءه لبني إسرائيل أن يبادروا بالذبح فيفعلوا ما أمرهم الله به(فافعلوا ما تؤمرون) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت