فهرس الكتاب

الصفحة 856 من 2536

بعد أن يستقر المؤمنون في الجنة، والكافرون والظالمون في النار يخبر الله عن حال هؤلاء من التعس والويل والبلاء - وما يجدونه في النار من النكال والاغتنام والاستحسار ما يعجز القلم والكلمات عن وصفه إلا كلمات الله في كتابه الحكيم؛ إذ تصف فظاعة التنكيل بالكافرين المجرمين العتاة، ومن جملته: ذلك العطاش الشديد الذي يحرق القلوب والأكباد حرقا، وكذا الجوع الأليم اللسع الذي يدفع الظالمين للمجرمين إلى الاستغاثة بأهل الجنة قائلين في كرب وهوان {أفيضوا علينا من الماء أو مما رزقكم الله} أفيضوا أي أسيلوا أو صبوا 77؛ فهم يستغيثونهم أن يصبوا عليهم شيئا من الماء ليطفئوا به ظمأهم الحران، ويسكنوا عطاش قلوبهم الظامئة الحرى {أو مما رزقكم الله} أي من خيرات الجنة مما فيها من الطعام والثمرات؛ فهم بذلك يستسقونهم ويستطعمونهم وهم يعانون من حر جهنم واستحرار لهيبها ما يجل عن البيان أو الصوف، إنهم ينادونهم بذلك رجاء منهم أن يستجيبوا لهم فيفيضوا عليهم مما سألوه لكنهم لم يستبقوا لهم في قلوب المؤمنين رأفة بهم ولا يستحقون من الله شيئا من رحمته وإحسانه - لا يستحقون في هذه الحال البئيسة الرهيبة غير الصدود والامتناع من غوثهم - وهو قوله سبحانه: {قالوا إن الله حرمهما على الكافرين} أجابوهم بمنعهم مما طلبوه وهو الطعام والشراب؛ فقد حرموا من ذلك ومن كل وجوه الرزق والنعمة يوم القيامة فلا يستحقون من الجزاء حينئذ إلا النار بما أسلفوه من الكفران والعصيان والصد عن سبيل الله وتحريض الظالمين والمشركين والمتربصين على المسلمين، فضلا عن استسخارهم بدين الله والاستهزاء به، فقال سبحانه: {الذين اتخذوا دينهم لهو ولعبا}

{الذين اتخذوا دينهم لهو ولعبا} ذلك جواب أهل الجنة لأهل النار في سبب منعهم من شراب الجنة وطعامها - وهو كفرهم بالله وبدينه الذي شرعه لهم وأوجبه عليهم فاتخذوه لهوا ولعبا - والأصل في اللهو أنه الترويح عن النفس بما لا تقتضيه الحكمة 78 وهؤلاء الكافرين كانوا لاهين عن دنيهم الذي أنزله الله إليهم، وقد شغلت قلوبهم وعقولهم بزخارف الدنيا فما قابلوا هذا الدين إلا بالإعراض والسخرية والاستهزاء والتهكم العابث المفضوح.

قوله: {وغرتهم الحياة الدنيا} أي خدعتهم الدنيا بمتاعها وزخارفها وما حوته من عرض سريع زائل فاغتروا بها اغترارا ثناهم عن الاهتمام بالآخرة وما فيها من حساب وجزاء - وذلك هو شأن الدنيا، تغر أكثر الناس فينشغلون بها انشغالا يطغي على قلوبهم وعقولهم ويلهيهم عن أوجب واجباتهم وهو الإيمان بالله ورسله والدار الآخرة والتزام دينه الذي ارتضاه وشرعه لهم - وأيما انشغال عن ذلك أو اغترار أو انثناء فإن مآله التعس والخسران.

قوله: {فاليوم ننساهم كما نسوا لقاء يومهم هذا} الكاف في {كما} في محل نصب نعت لمصدر محذوف؛ أي ننساهم نسيانا مثل نسيانهم لقاء هذا اليوم العظيم - وذكر النسيان في حق الرحمن يأتي على سبيل التمثيل - فالله تعالى لا ينس، إذا قصد النسيان في أصل معناه وهو عدم الذكر - {وما كان ربك نسيا} وقال عز من قائل: {لا يضل ربي ولا ينسى} لكن المقصود بنسيان الله للكافرين هو تركهم في النار عطاشا جياعا معذبين على التأبيد لا يخرجون، مثلما تركوا دينهم الذي أنزله الله إليهم فأعرضوا عنه إعراضا ولم يستعدوا بالإيمان والطاعة للقاء الله في هذا اليوم المخوف.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت