فهرس الكتاب

الصفحة 534 من 2536

أما أن يكون المسلمون مجتمعين على صعيد واحد وهم كثيرون فما ينبغي لهم أن يبرحوا الأرض مهاجرين ولا أن ينزحوا عن ديارهم ليغمرها طغيان الكفر والمعصية من بعدهم - وبذلك فليس لهم أن ينزحوا ما دموا على حالهم من الكثرة والتجميع إلى الدرجة التي يملكون فيها أن يتآلفوا جميعا ليقفوا في وجه الباطل والفتنة صفا واحدا مهما تكن الظروف في قسوتها واشتدادها ومهما تتقاطر من حولهم الأرزاء والفتن إلى أن يقضي الله أمرا كان مفعولا.

قوله: (فأولئك مأواهم جهنم وساءت مصيرا) اسم الإشارة يعود على المستضعفين الذين تثاقلوا إلى المكث في بلد المشركين حيث الفتنة - وهؤلاء قد عصوا أمر نبيهم بالهجرة ولم ينصاعوا له بالطاعة في المنشط والمكره، فاستحقوا بذلك عذابا أليما يأوون إليه وهي جهنم (وساءت مصيرا) وذلكم هو أسوأ مصير وأتعس عاقبة تؤول إليهما حال هؤلاء الأشقياء التعساء - وقوله: (مصيرا) منصوب على التمييز.

قوله: (إلا المستضعفين من الرجال والنساء والولدان - -.) ذلك استثناء من المتخلّفين عن الهجرة، وهو استثناء لفريق من المسلمين المستضعفين الذين لا حيلة لهم في مبارحة الدّيار بأي سبب من الأسباب؛ وذلك لضعفهم وهم الشيوخ الطاعنون أو النساء الضعاف العواجز والصغار البرئاء الأغرار، هؤلاء لا حيلة لهم أو اقتدار على المبارحة والهجرة، حتى لو أنهم همّوا بذلك فلا (يهتدون سبيلا) أي لا يعرفون الطريقة المؤدية إلى المدينة ولا يتحققون من سلامة السفر لضعفهم ولقلّة معرفتهم - وهذا الفريق من الناس

(فأولئك عسى الله أن يعفوا عنهم) وكلمة (عسى) تفيد اليقين المشفوع بالرجاء - فإن الله سبحانه سيشمل هؤلاء المستضعفين بواسع فضله وغفرانه لتخلّفهم - ذلك ما يمكن أن نطمئن إليه من قوله: (عسى) ولا أجدني مطمئنا من أن هذه الكلمة تعني الوجوب على الله كما قيل فهو سبحانه إن شاء غفر أو شاء عذّب، وله في ذلك كله القدرة المطلقة والحكمة البالغة.

100 - (وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا)

قوله تعالى: (ومن يهاجر في سبيل الله يجد في الأرض مرغما كثيرا وسعة من يخرج من بيته مهاجرا إلى الله ورسوله ثم يدركه الموت فقد وقع أجره على الله وكان الله غفورا رحيما) .

ذلك تحريض من الله على الهجرة والخروج من أرض الفتنة إلى حيث الأمن وسلامة الدين والنفس وحيث العبادة والتحدّث في أمر الإسلام لتثبيته ونشره في الآفاق - وفي التحريض وعد من الله سبحانه بأن من يهاجر سوف يجد في الأرض مراغما كبيرا - وجاء في معنى المراغم بأنها التحوّل من أرض إلى أرض أو المتزحزح عما يؤدي أو الذهاب في الأرض - وقيل المبتغى للعيش وفي قول آخر مستنبط من الكلمة اشتقاقا وهو أن المراغم من الإرغام في غلبة وقهر - وكأن المؤمن المهاجر قد غمس أنوف المشركين في الرغام (التراب) حينما وجد مندوحة عن موطن قهرهم لحصوله بالهجرة على المنعة والتحصين 143.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت