قوله: {فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ} بشَّر الله نبيه إبراهيم بغلام ذي حلم إذا هو كبر - أما في طفولته فإنه لا يوصف بالحلم - وهذا الغلام الذي بُشِّر به إبراهيم عليه السلام لهو إسماعيل؛ فهو أول ولد بُشّر به إبراهيم وهو أكبر من إسحاق باتفاق المسلمين وأهل الكتاب - وكان مما ذكره أهل الكتاب أن الله أمر إبراهيم أن يذبح ابنه وحيده - وفي نسخة أخرى بكره - ثم أقحموا بعد ذلك اسم إسحاق على أنه الذبيح، افتراء على الله وجنوحا للتعصب والباطل وجريا خلف الهوى الجامح، ولقد أقحموا اسم إسحاق؛ لأنه أبوهم، وإسماعيل أبو العرب فحسدوهم فزادوا ذلك وحرّفوا وحيدك على أنه يعي الذي ليس عنده غيره؛ فإن إسماعيل كان قد ذهب أبوه به وبأمه إلى مكة - لا جرم أن هذا تأويل سقيم، وتحريف ظالم وهو في غاية العوج والبطلان؛ فإنه لا يقال وحيدك إلا لمن ليس له غيره - وذهب آخرون إلى أن الذبيح هو إسحق - وليس لهم في ذلك دليل ظاهر في كتاب ولا سنة - قال ابن كثير في هذا المعنى: وما أظن ذلك تُلُقِّي إلا عن أحبار أهل الكتاب وأُخِذ ذلك قسما مُسلَّما من غير حجة.
والأولى بالصواب أن الذبيح هو إسماعيل - ويُحتج لذلك من الكتاب الحكيم بقوله سبحانه: {وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ} فكيف يأمره بذبحه وقد وعده أن يكون نبيا، والله جل وعلا صادق الوعد، وكذلك قوله سبحانه: {فبشّرناها بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب} أي يولد له في حياتهما ولد يسمى يعقوب فيكون من ذريته عَقِبٌ ونسل فكيف يؤمر بذبح إسحاق قبل إنجاز الوعد في يعقوب.
وذُكِر عن ابن عباس قوله في هذه المسألة: المفدي إسماعيل وزعمت اليهود أنه إسحق وكذبت اليهود - وروى عنه كثيرون أنه قال: الذبيح إسماعيل.
قوله: {فلما بلغ معه السعي} أي العمل - وقيل: المشي، والمراد: أنه بلغ مع أبيه المبلغ الذي يسعى معه في أمور دنياه معينا له على أعماله، أو أنه كبر وترعرع وصار يذهب مع أبيه.
قوله: {قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى} رأى إبراهيم في منامه أنه مأمور بذبح ولده إسماعيل؛ وذلكم ضرب من ضروب الوحي فقد كانت الرسل يأتيهم الوحي من الله تعالى إيقاظا ورقودا؛ فإن الأنبياء لا تنام قلوبهم وإن كانت تنام أعينهم - قال ابن عباس: رؤيا الأنبياء وحي، واستدل بهذه الآية - وقد أعلم إبراهيم ابنه إسماعيل بذلك؛ ليكون أهون عليه وليختبر صبره وجلده وعزمه في صغره على طاعة الله تعالى - فبادر الولد الكريم المبرور، للإجابة بالطاعة دون تردد أو تلعثم وهو قوله: {يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ} أي امض لما أمرك الله من ذبحي {سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ} أي سأصبر وأحتسب ذلك عند الله جل وعلا - كذلك كان جواب إسماعيل - هذا التقي الزكي المختار، الذي فاق ببالغ عزمه وعظيم إرادته وروعة طبعه المفضال كل آفاق الذهن والخيال فكان مثالا لا يبلغه إلا الرفّافون الأبرار من النبيين الأخيار والصِّدِّيقين الأطهار وحَسْب - صلى الله على إسماعيل وأبيه وسائر النبيين والمرسلين صلاة وسلاما إلى يوم البعث والدين.