قوله: {كالمهل يغلي في البطون} المهل، بالضم، اسم يجمع معدنيات الجواهر كالفضة والحديد ونحوهما وكذلك القطران وما ذاب من نحاس أو حديد أو درديّ الزيت 14 أي أن شجرة الزقوم ذات المذاق الخبيث جعلت طعاما للظالمين الخاسرين في النار، إذ يقسرون على الأكل منها، وهي لفرط رداءتها وشدة حرارتها كالرصاص المذاب في النار الذي تناهت حمّته وسواده فهو يغلي في بطونهم غليا.
46 - (كَغَلْيِ الْحَمِيمِ)
قوله: {كغلي الحميم} وهو الماء الحار إذا اشتد غليانه.
قوله: {خذوه فاعتلوه إلى سوآء الجحيم} يقال لزبانية جهنم: خذوا هذا الأثيم وهو الظالم لنفسه، الفاجر {فاعتلوه} من العتل، وهو الجذب بعنف 15 أو هو أن تأخذ بتلابيب الرجل فتجرّه إليك جرّا وتذهب به إلى حبس أو محنة - والمراد جذب هذا الشقي الخاسر ودفعه بغلطة وعنف {إلى سوآء الجحيم} أي إلى وسط النار.
قوله: {ثم صبّوا فوق رأسه من عذاب الحميم} أي صبوا على رأس هذا الأثيم الخاسر من الماء المتناهي الحرارة - وقيل: يضرب خازن جهنم على رأس أبي جهل أو غيره من الأشقياء الكافرين بمقمع من حديد فيتفتت رأسه على دماغه ثم يصب الملك فيه ماء حميما قد انتهى حره لفرط حمته وسخونته فيقع في بطنه.
قوله: {ذق إنك أنت العزيز الكريم} ذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم التقى وأبو جهل فقال النبي صلى الله عليه وسلم:"إن الله أمرني أن أقول لك {أولى لك فأولى 34 ثم أولى لك فأولى} فقال أبو جهل: بأي شيء تهددني - والله ما تستطيع أنت ولا ربك أن تفعلا بي شيئا، إني لمن أعز هذا الوادي وأكرمه على قومه، فقتله الله يوم بدر وأذله ونزلت هذه الآية - والصواب أنها بعمومها تشمل سائر الظالمين المجرمين في النار - فالمعنى، أن الملك من زبانية جهنم يقول للشقي الخاسر وهو في النار: {ذق إنك أنت العزيز الحكيم} أي بزعمك - وذلك على سبيل التوبيخ والاستهزاء والاحتقار والتهكم، أي لست بعزيز ولا كريم بل إنك المحتقر المهين - وهذه زيادة في التنكيل بالخاسرين الذين يصيرون إلى جهنم فيجدون فيها من ألوان العذاب والهوان والتنكيل وما لا تتصوره الأذهان والأخيلة لفرط فظاعته وشديد بشاعته - نسأل الله العافية والنجاة."
50 - (إِنَّ هَذَا مَا كُنْتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ)
قوله: {إن هذا ما كنتم به تمترون} أي أن هذا العذب الذي تعذبونه اليوم هو العذاب الذي كنتم تشكون فيه وتجادلون فيه 16.
قوله تعالى: {إن المتقين في مقام أمين 51 في جنات وعيون 52 يلبسون من سندس وإستبرق متقابلين 53 كذلك وزوّجناهم بحور عين 54 يدعون فيها بكل فاكهة آمنين 55 لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة الأولى ووقاهم عذاب الجحيم 56 فضلا من ربك ذلك هو الفوز العظيم 57 فإنما يسّرناه بلسانك لعلهم يتذكرون 58 فارتقب إنهم مرتقبون} .
بعد أن ذكر الله حال الأشقياء، أهل التعس والخسران، عطف بذكر أهل السعادة من المؤمنين المتقين الذين يلجون الجنة آمنين مكرمين - فقال سبحانه: {إن المتقين في مقام أمين} أولئك الذين آمنوا بربهم واتقوه باجتناب معاصيه واتباع أوامره والتزام شرعه ومنهاجه، فإنهم يوم القيامة في {مقام أمين} أي منزلة رفيعة كريمة، آمنون من كل مكروه وإساءة - فلا حزن إذ ذاك ولا جزع ولا نصب ولا وصب ولاهمّ - وهم حينئذ {في جنات وعيون} .
قوله: {في جنات وعيون} حيث الزرع والثمر والبهجة والمياه الثجاجة المنسابة - وذلك في مقابلة ما يجده الأشقياء في النار من شنيع الطعام وهو الزقوم.