فهرس الكتاب

الصفحة 1234 من 2536

أما التأويل الحق أن يفسر السجود بالانقياد؛ فغن جميع العباد -مؤمنين وكافرين- منقادون لفعل ما أراده الله فيهم، شاءوا أو أبوا؛ فهم وإن لم يسجدوا لله سجودا حقيقيا لكنهم منقادون لأمره فيهم بالصحة والمرض، والحياة والموت، والفقر والغنى - ومثل هذه الحقائق والظواهر والصفات يشترك فيها المؤمنين والكافرين - قوله: {وَظِلالُهُم بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ} الغدو، ما بين صلاة الصبح وطلوع الشمس - والغداة بمعنى الضحوة، وتحمل على أول النهار - والجمع غدوات 27 - {والآصال} ، جمع ومفرده الأصيل، وهو العشي - وهو ما بعد صلاة العصر إلى الغروب 28 {وَظِلالُهُم} معطوف الاسم الموصول {من} والمراد: أن ظل كل شيء يسجد لله في هذين الوقتين وهما أول النهار وآخره، ووجه ذلك: أن الضلال إنما تتبع أصحابها من الناس في الحركة والامتداد والتقليص؛ فهي بذلك منقادة معهم لله وذلك هو سجودها 29.

16 - (قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ قُلِ اللَّهُ قُلْ أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ لا يَمْلِكُونَ لأَنْفُسِهِمْ نَفْعًا وَلا ضَرًّا قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ)

قوله تعالى: {قُلْ مَن رَّبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ قُلِ اللّهُ قُلْ أَفَاتَّخَذْتُم مِّن دُونِهِ أَوْلِيَاء لاَ يَمْلِكُونَ لِأَنفُسِهِمْ نَفْعًا وَلاَ ضَرًّا قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ أَمْ جَعَلُواْ لِلّهِ شُرَكَاء خَلَقُواْ كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ} .

المشركون مقرون بوجود الله سبحانه، وأنه الخالق، فإذا سألهم النبي صلى الله عليه وسلم {مَن رَّبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ} فما لهم بد من أن يقولوا {الله} وإذا لم يقولوها، بادرهم النبي صلى الله عليه وسلم الجواب {الله} تنفيذا لأمر الله له {قل الله} أي إذا لم يجيبوا فلقنهم يا محمد الجواب؛ فإنه لا جواب غيره.

لقد كانت مشكلة الكافرين الكبرى قبل ظهور الإسلام ولدى ظهوره أنهم كانوا مولعين بحب الأصنام وتقديسها - لقد كانت هذه الحجارة الصماء، وهذه الآلهة المصطنعة البلهاء مستحوذة على قلوبهم ومشاعرهم أيما استحواذ، لكنهم مع ذلك ما كانوا ينكرون وجود الله الخالق البارئ - ما كانت لوثة الإلحاد الأسود لتطغى على فطرتهم وأذهانهم كما طغت على أمم ضالة جاءت حديثا وعقب الجاهلين الغابرين - هذه الأمم التي استشرت فيها نزغات الشياطين العتاة فأفسدت فيها الفطرة شر إفساد، ومسخت طبائعها الآدمية وخصائصها الذهنية والنفسية والروحية أفظع مسخ - وألئك الذين انقلبوا على أعقابهم مرتكسين جاحدين بعد أن أغواهم دهاقنة الفكر الشيطاني الظلوم من أمثال ماركس وسارتر وفرود ونظائرهم من الشياطين الذين عاثوا في الدنيا تخريبا وإفسادا، والذين قلبوا المعايير الفطرية رأسا على عقب فمضوا بالبشرية إلى حيث البهيمية الوضعية؛ فانتكسوا بها إلى الهاوية من الدركات في أسفل سافلين، وعندها تمحي منها كل ظواهر الإنسان المميز الراقي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت