{هُنَالِكَ} للبعيد، وهنا للقريب - وهنا للوسط - أي عند ذلك امتُحن المؤمنون أصعب امتحان ليستبين فيهم المخلصون من المنافقين والذين في قلوبهم مرض - لقد ابتُلوا بالضيق والكرب والجوع والفزع والحصار والقتال {وَزُلْزِلُوا زِلْزَالا شَدِيدًا} أي اضطربت نفوسهم أيَّما اضطراب، وأصابهم من الشدة والبأس والهول ما أصابهم.
قوله: {وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إَِّلا غُرُورًا} إذْ، في موضع نصب بفعل مقدر، وتقديره: اذكر إذ يقول 17؛ أي حينئذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم شك في الإيمان أو شبهة أو ضعف: {مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ} إلا باطلا من القول - وذلك أن طعمة بن أبيرق، وعتب بن قشير، وجماعة من حو سبعي رجلا، قالوا يوم الخندق - وقد هزمهم هول الموقف واضطربت نفوسهم أشد اضطراب: كيف يعدنا محمد كنوز كسرى وقيصر ولا يستطيع أحدنا أن يتبرّز.
قوله: {وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لاَ مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا} {يَثْرِبَ} اسم أرض، والمدينة ناحية منها وقد سماها النبي صلى الله عليه وسلم طيْبة وطابة - و {مُقَامَ} ، بضم الميم، مصدر أقام يقيم، أي لا إقامة لكم - ومقام، بالفتح اسم مكان؛ أي لا موضع لكم تقيمون فيه بهذه المقالة نادى المنافقون والضعفاء الذين في قلوبهم شبهة أو زيغ - لقد نادوا في أهل المدينة محرّضين على الهرب من عسكر رسول الله صلى الله عليه وسلم قائلين لهم أن لا إقامة لكم هنا، {فَارْجِعُوا} أي عودوا إلى منازلكم.
قوله: {وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ} أي يستأذنوه في الرجوع إلى بيوتهم في المدينة وهم يصطنعون لأنفسهم العذر في ذلك وهو قوله: {يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ} أي فيها خلل لا يأمن صاحبُها السارق على متاعه - أو سائبة وغير حصينة - أو معوَّرة وذات عورة إذا كان يسهل دخولها 18
قوله: {وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ} ذلك تكذيب لهم من الله وردّ منه لما تذرعوا به مما ذكروه من عورة بيوتهم، وإنما يبتغون الفرار من وجه المشركين لما استحوذ عليهم الشيطان فأفزعهم أيما إفزاع - وهو قوله: {إِنْ يُرِيدُونَ إِلاَّ فِرَارًا} أي ما يريد هؤلاء الخائرون المرجفون إلا الهرب من مواجهة المشركين 19.
قوله تعالى: {وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لَآَتَوْهَا وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا إِلاَّ يَسِيرًا (14) وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ لاَ يُوَلُّونَ الأدْبَارَ وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْئُولًا (15) قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَإِذًا لاَ تُمَتَّعُونَ إِلاَّ قَلِيلًا (16) قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللَّهِ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءًا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً وَلاَ يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلاَ نَصِيرًا}