قوله: {والسماء رفعها ووضع الميزان} خلق الله السماء مرفوعة من حيث المحل والقدر والشرف، فهي منشأ الوحي ومنزل الكتب الربانية ومقام الملائكة الأطهار - والمراد بالميزان العدل، فقد أوجب الله إحقاقه في الأرض ليقوم للناس بالقسط بعيدا عن الحيف والميل والجور، وقيل: الميزان ما يعرف به مقادير الأشياء من ميزان ومكيال ونحوهما.
قوله: {ألا تطغوا في الميزان} أي لئلا تميلوا عن الحق فتجنحوا للزيغ والباطل.
9 - (وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ)
قوله: {وأقيموا الوزن بالقسط} يعني أقيموا وزنكم بالعدل {ولا تخسروا الميزان} أي لا تنقصوا الميزان، بل زنوا بالحق والعدل دون طغيان أو نقصان.
10 - (وَالأَرْضَ وَضَعَهَا لِلأَنَامِ)
قوله: {والأرض وضعها للأنام} أي خفض الأرض في مقابل رفع السماء، ثم أرساها بالجبال الشامخات وجعلها ممهدة مناسبة {للأنام} وهم الخلائق والدواب على اختلاف أنواعهم وأجناسهم وألوانهم وأشكالهم.
11 - (فِيهَا فَاكِهَةٌ وَالنَّخْلُ ذَاتُ الأَكْمَامِ)
قوله: {فيها فاكهة والنخل ذات الأكمام} في الجنة أجناس مختلفة من الفواكه مما يتفكه به المنعمون السعداء، وفيها {النخل ذات الأكمام} : والأكمام، أوعية الطلع وهو الثمر - ومفرد الأكمام، الكم بكسر الكاف 2.
12 - (وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ وَالرَّيْحَانُ)
قوله: {والحب ذو العصف والريحان} العصف معناه ورق الزرع الذي على السنبلة إذا يبس، أو التبن - والريحان، هو الورق الملتف على ساق الزرع - وقيل: اللب الذي يتلذذ به من الفواكه.
قوله: {فبأي آلاء ربكما تكذبان} آلاء جمع ومفرده: إلي وألي وألي وإلى وألو 3 والآلاء، النعم والخيرات مما منّ الله به على العالمين من وجوه الرزق والخير والنعمة في مختلف مناحي الحياة والطبيعة، فضلا عما ذرأه الله في نفس الإنسان من النعم الكثيرة كنعمة العقل والسمع والبصر والشم والذوق والحس والمشي، وما ذرأه لذلك كله من أسباب ووسائل في غاية الكمال من حسن الهيئة والصورة وتمام التناسق والانسجام - والمعنى: فبأي أنعم الله أيها الثقلان تكذبان وهي أنعم جزيلة وهائلة ومبسوطة في أرجاء الكون والحياة جميعا - وإذا قرأنا هذه الآية بادرنا القول كما قالت الجن المؤمنون: اللهم ولا بشيء من آلائك نكذب 4.
قوله تعالى: {خلق الإنسان من صلصال كالفجار 14 وخلق الجان من مارج من نار 15 فبأي آلاء ربكما تكذبان 16 رب المشرقين ورب المغربين 17 فبأي آلاء ربكما تكذبان 18 مرج البحرين يلتقيان 19 بينهما برزخ لا يبتغيان 20 فبأي آلاء ربكما تكذبان 21 يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان 22 فبأي آلاء ربكما تكذبان 23 وله الجوار المنشآت في البحر كالأعلام 24 فبأي آلاء ربكما تكذبان} .
يبين الله خلق الإنسان والجان - فقد خلق الإنسان من صلصال، وهو الطين اليابس ما لم يحرق ويكن خزفا - وهو من الصلصلة أي الصوت عند القرع 5 والفخار معناه الخزف 6 وذلكم هو الإنسان، إذ خلقه ربه من تراب مختلط بالماء - فهو بذلك من معدن الطين وهو معدن وسط، فلا هو بالرفيع كأصل الملائكة من نور، ولا هو بالوضيع الخسيس كالدواب العجماوات، وإنما هو متأرجح متوسط بين العلو والهبوط - وذلك بالنظر لطبيعة تكوينه التي تمتزج فيها الروح الشفيفة الرقيقة، بالطين المنتن الثقيل.