قوله تعالى: {وإذ قيل لهم اسكنوا هذه القرية وكلوا منها حيث شئتم وقولوا حطة وادخلوا الباب سجدا نغفر لكم خطيئتاكم سنزيد المحسنين 161 فبدل الذين ظلموا منهم قولا غير الذي قيل لهم فأرسلنا عليهم رجزا من السماء بما كانوا يظلمون} إذ، ظرف زمان - و {هذه القرية} يراد بها بيت المقدس أو أريحا؛ أي اذكروا يا بني إسرائيل وقت قال الله لكم: اسكنوا بيت المقدس أو أريحا، وكلوا مما فيها من المطعومات {حيث شئتم} أي من أي مكان شئتم من أمكنتها لتكونوا بذلك مستمعين متلذذين آمنين - {وقولوا حطة} أي أحطط عنا الذنوب 214، وادخلوا باب القرية ساجدين - وبذلك قد أمرهم أن يدخلوا القرية ساجدين وهم يدعون الله أن يحط عنهم الذنوب وذلك في قولهم {حطة} وفي مقابل ذلك سيجزيهم الله جزاء - وهو أن يغفر لهم خطاياهم - وفوق ذلك سيزيد الله المحسنين من نعمه وفضله.
قوله: {فبدل الذين ظموا منهم قولا غير الذي قيل لهم} لم يلتزم بنو إسرائيل قول ما أمرهم الله بقوله وهو {حطة} بل بدلوا ذلك بقول آخر قالوه وهم يلفهم غشاء صفيق من الخفة والسفاهة والطيش - وذلك يشي بمبلغ الضلالة التي تلبس بها القوم فلم يقيموا وزنا لجد والاستقامة أو التزام الواجب، فأبوا إلا الاستخفاف والهزل، والتفريط بعير تردد - ومن أجل ذلك أرسل الله عليهم عذابا من السماء بسبب ظلمهم الذي أحط بهم فأرداهم 215.
قوله تعالى: {وسألهم عن القرية التي كانت حاضرة البحر إذ يعدون في السبت إذ يأتيهم حيتانهم يوم سبتهم شرعا ويوم لا يسبتون لا تأتيهم كذلك نبلوهم بما كانوا يفسقون} أمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم أن يسأل جبريل اليهود عن أخبار أسلافهم وعما حصل لهم من مسخ بعضهم قردة وخنازير - وهو سؤال تقدير وتوبيخ - لا جرم أن هذه دلالة من الدلالات على صدق نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، وذلك بإطلاعه على الغيب من أخبار السالفين - والنبي عليه الصلاة والسلام لم يتعلم أخبار السالفين من أحد، فضلا عن كونه أميا لا يقرأ ولا يكتب.
قوله: {وسألهم عن القرية التي كانت حاضرة البحر} أي اسأل جيرانك اليهود عن أهل القرية - وذلك على تقدير محذوف وهو (أهل) كقوله: {وسئل القرية التي كنا فيها) والمراد أهلها - وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم: (اهتز العرش لموت سعد بن معاذ) يعني اهتز أهل العرش من الملائكة فرحا واستبشارا بقدومه رضي الله عنه إليهم - أما القرية التي كانت حاضرة البحر: فهي أيلة، كانت بين مدين والطور - وقيل: هي مدين وبيت أيلة والطور - وقيل يغر ذلك - و حاضرة البحر} أي بقربه.
وقوله: {إذ يعدون في السبت} ؛ إذ، للظرفية الزمانية؛ أي وقت عدوهم في السبت 216 و {يعدون} بمعنى يعتدون أمر الله في السبت و يتجاوزونه إلى ما حرمه الله عليهم، والاعتداء معناه التجاوز، والتعدي معناه مجاوزة الشيء إلى غيره 217 - أما {السبت} فهو مفرد وجمعه سبوت وأسبت - وسبت اليهود؛ أي انقطاعهم عن المعيشة والاكتساب - وهو مصدر - يقال: سبتوا سبتا - وسبت سبتا أي نام واستراح وسكن - واستبت الحية: أطرقت لا تتحرك - وسبت الشيء -بالتشديد- أي قطعه 218.