لذلك فإن الله ينكر على هؤلاء الشاردين في توبيخ غليظ جنوحهم إلى غيره من مختلف الأرباب - وفي ذلك إعلان حاسم يكشف عن حقيقة الإيمان في مفهومه الصحيح المتسق وهو أنه لا مساغ للتفريط بجزء من الدين، وأن العمل بجزء آخر منه لا يرد عن المرء وصمة الكفر الشنيع.
قوله: {فما جزاء من يفعل ذلك منكم إلا خزي في الحياة الدنيا ويوم القيامة يردون إلى أشد العذاب وما الله بغافل عما تعملون} ذلك نذير من الله شديد لأولئك الذين يؤمنون ببعض الكتاب ويكفرون ببعض، وهم الذين يجترئون من الدين بعضه فيعملون به، ثم يعرضون عن بعضه الآخر - أو الذين يصدقون ببعض ما في الدين من قضايا أو أركان أو معان، ثم يرتابون ببعض الآخر، مجاراة لما تهواه أنفسهم أو اكتفاء بما يروق لهم من بعض المعاني أو الأحكام - ومثل هذا الإيمان المنتقص لا يغني عن حقيقة الإيمان الكبرى كالذي بينا آنفا - وبذلك فإن الله يتهدد هذا الصنف من الناس بوخيم العاقبة التي تؤول إلى شطرين من العذاب - أولهما: الخزي والعار في هذه الدنيا يصم الله بهما من يعرضون عن بعض ما جاء في منهجه سبحانه؛ لأن من أعرض عن بعض ما في المنهج كان كمن أعرض عن المنهج كله - لكن صور الخزي والعار في هذه الدنيا يندرج في خصمها كل أصناف الذلة والصغار والهوان، أو الفقر والجنوح والمعاناة وكل مظاهر المضانكة التي يذوق خلالها الشاردون عن منهج الله ألوان البلاء والنصب والمرارة.
وثانيهما: هو أشد فظاعة وعتوا وهو العذاب يوم القيامة - العذاب الذي يشم كل ظواهر الشدة والهول، والذي يدنو دونه كل عذاب من أعذبه الدنيا وما فيها من أرزاء وأهوال تمر سراعا - إن العذاب يوم القيامة لا يتصوره الخيال، ولا يستيطع الحس أن يستشعره؛ وذلك للكيفية البالغة في الإذهال والتي لا قبل للخلائق بها - إنه العذاب الحارق اللاهب الذي تتسجر فيه جسوم العصاة والأشرار الذين يشردون عن منهج الله ليلاقوا في النار من سوء المصير وفادح الويل ما لا يتصوره عقل بشر ولا يطيقه مقدور كائن كيفما كان!!.
ذلك الذي يتوعد الله به عباده الناكبين عن صراطه الشاردين عن منهجه وهم جميعا بين يديه وفي قبضته فيعلم ما في صدورهم من أسرار وأستار إن خفيت على الكائنات جميعا فإنها لا تخفى عليه سبحانه.
قوله: {أولئك الذين اشتروا الحياة الدنيا بالآخرة} ليس المقصود بذلك اليهود وحدهم لشراء الحياة الدنيا وما فيها من متاع سريع زائل بدل الآخرة التي أعرضوا عنها ولم يعبأوا بالعمل والسير من أجلها - ليس المقصود اليهود وحدهم- وإن كانوا في طليعة الناكبين عن منهج الله اللاصقين بالدنيا ومتاعها وزخرفها- ولكن مقصود الآية يمتد ليشمل كل قبيل من البشر يبيع آخرته بدنياه، ويظل رهين الشهوة والمتاع، يستوي في ذلك أن يكون هؤلاء الأشرار الأشقياء من اليهود أو من العرب أو الفرس أو من غيرهم - وأولئك جميعا قد أعد الله لهم نظير شرهم وشقوتهم عذابا لا يقبل التخفيف في يوم من الأيام، بل إن يزداد مع مرور الزمان اشتدادا في اللهيب والاستعار - وكذلك فإن هؤلاء سوف لا يجدون لهم من يأخذ بأيديهم صوب النجاة والخلاص من هذا العذاب الأليم، ولن يكن لهم أي نصير يستطيع أن يعينهم أو أن يدرأ عنهم العذاب حتى ولو ساعة من نهار؛ لذلك قال سبحانه: {فلا يخفف عنهم العذاب ولا هم ينصرون} 76.