وقوله: (يؤتي الحكمة من يشاء) الحكمة كلمة جامعة تتضمن وجوها شتى من المعاني كالعلم والفهم والعدل والعلة، والكلام الذي يقل لفظه ويجل معناه، أو هي المعرفة بالقرآن والتفقه في الدين والإصابة في القول والفعل 335 - كل واحدة من هذه الوجوه أو كلها مجتمعة بمثابة الحكمة التي أثنى عليها الله في كتابه الحكيم وامتدح من عباده من أوتيها فقال سبحانه: (ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا) ولا ريب أن يكون عطاء الحكمة خير عطاء يؤتاه المرء في حياته؛ فهو خير من عطاء الدنيا وما حوته من متاع وزخرف، وهو كذلك خير من زينة الحياة وما فيها من نعيم زائل وبهجة آيلة للفناء (ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خبرا كثيرا) إن هذه هي الحقيقة التي يعيها ويدركها أولو الألباب الذين أوتوا حظا من الفهم الحاذق والبصيرة اليقظة الواعية؛ لذلك قال سبحانه: (وما يذكر إلا أولوا الألباب) .
قوله تعالى: (وما أنفقتم من نفقة أو نذرتم من نذر فإن الله يعلمه وما للظالمين من أنصار) .
(ما) أداة شرط - (أنفقتم) جملة الشرط، وجوابه (فإن الله يعلمه) والفاء مقترنة بالجوب - والنفقة تتضمن الصدقة بنوعيها: التطوع والفريضة - أما النذر فهو في اللغة الالتزام بفعل خير أو شر 336 - وفي الشرع أن يلتزم المكلف بشيء مما لو لم يوجبه على نفسه لم يلزمه سواء كان منجزا أو معلقا - فما ينفق المرء من نفقة أو ينذر نذرا إلا كان الله عليما بقصده وما يخفيه في نفسه من مكنون الإخلاص أو الرياء - والظالمون هم المشركون والعصاة الذين تزيغ قلوبهم وأفعالهم عن دين الله وعن منهجه القويم، فأولئك ليس لهم يوم القيامة من نصير يجيرهم من العذاب 337.
قوله تعالى: (إن تبدوا الصدقات فنعما هي وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم ويكفر عنكم من سيئاتكم والله بما تعملون خبير) (إن) أداة شرط والجملة الفعلية بعدها جملة الشرط، وجوابه (فنعما هي) ، والفاء مقترنة بالجواب - والمراد بالصدقات هنا ما كان للتطوع أو النفل الا الفرض - ومعلوم أن العبادات النوافل، إسرارها خير من إشهارها - أما الفرائض فإشهارها أفضل.
قوله: (فنعما هي) أي نعم ما هي - نعم فعل مدح جامد وفاعله ضمير مرفوع - ما في نصيب تمييز - والتقدير: نعم الشيء شيئا إبداؤها - فإبداؤها مخصوص بالمدح وهو مرفوع؛ لأنه مبتدأ - وما قبله خبر، ثم حذف إبداء وأقيم الضمير المتصل المضاف إليه مقامه فصار الضمير المجرور والمتصل ضميرا مرفوعا منفصلا - وهو مرفوع بالابتداء لقيامه مقام المبتدأ 338 - والله تعالى يمتدح الصدقة الظاهرة - وكذا الخفية وهي أفضل إن كانت تطوعا - وبذلك فحكم الصدقة الظاهرة أن تكون أفضل من الخفية إن كانت نافلة، وذلك كيلا يكون الإظهار سببا لتسرب الرياء إلى نفس المعطي، أما إن كانت مفروضة فإظهارها أفضل من أخفائها؛ لما في ذلك من تشجيع للآخرين - ويستفاد ذلك من ظاهر الآية - (فهو خير لكم) والضمير يعود على الإخفاء والإيتاء - ويعزز هذا القول ما أخرجه مسلم في صحيحه عن النبي (ص) في إظهار الصلاة وعدمه إذْ قال:"أفضل صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة".