فهرس الكتاب

الصفحة 1276 من 2536

وذلك كائن في يوم القيامة حيث الحساب والجزاء واشتداد الهول والجزع، وحيث التبدل المذهل الذي يغشى الأرض والسماوات؛ فإنه يؤتى بالمجرمين وهم الطغاة والخاسرون الذين عتوا عن أمر الله عتوا كبيرا وصدوا الناس عن دين الله، وأشاعوا في الدنيا الكفر والضلال والفساد بكل صوره وألوانه - يؤتى بهم يوم القيامة (مقرنين في الأصفاد) أي يوثق بعضهم ببعض؛ فهم لكونهم متجانسين متشابهين في الكفر والعصيان؛ فإنهم يُضم بعضهم إلى بعض مقرنين في القيود والأغلال - وقيل: قرنت أيديهم وأرجلهم إلى رقابهم بالأصفاد وهي الأغلال والقيود أو الوثاق والسلاسل.

قوله: (سرابيلهم من قطران) السرابيل، جمع سربال، وهو القميص - والقطران، ما يتحلب من شجر الأبهل فيطبخ ويطلى به الإبل وغيرها من الجرب فيحرق الجرب بحرارته، وهو شديد الاشتعال، أسود اللون، منتن الريح، يطلى به جلود أهل النار - وقيل: القطران، معناه النحاس المذاب يطلى به جلود الظالمين في النار 64.

هذه حال من أحوال أهل النار ووصف من أوصاف العذاب الذي يجزونه وهم يتقاحمون في جهنم؛ فإن لباسهم؛ إذ ذاك من نحاس مذاب بالغ الحرارة أو ما يشبهه من الحميم الآن الذين تكتوي به جلود هؤلاء الخاسرين الهلكى.

قوله: (وتغشى وجوههم النار) أي تلفح وجوههم النار المستعرة فتحرقها بضرامها الملتهب.

قوله: (ليجزي الله كل نفس ما كسبت) أي فعل الله بهم ذلك العذاب الأليم الحارق جزاء لهم بما صنعوا في الدنيا من المعاصي والآثام والكفر؛ فقد كانوا في حياتهم الدنيا ضالين مضلين يثيرون في الأرض الشر والفساد والكفر، ويصدون الناس عن الحق وهو الإسلام - أولئك جزاؤهم التحريق والاصطلاء في النار اللاهبة الحامية.

قوله: (إن الله سريع الحساب) لقد أحاط الله علما بأعمال العباد جميعا فلا يعزب عنه منها شيء - وهو يحاسب الناس كافة في أسرع وقت بل فيما دون لمح البصر وذلك على الله يسير - وما الخلق بالنسبة إلى سلطانه العظيم وقدرته المطلقة إلا كالفرد الواحد.

قوله تعالى: {هذا بلاغ للناس ولينذروا به وليعلموا أنما هو إله واحد وليذكر أولوا الألباب} أي هذا القرآن بلاغ لجميع الخلق كيما يتعظوا به ويستدلوا بما فيه من الدلالات والحجج على أنه ليس من إله غير الله؛ فهو الله الفرد الأحد له كامل الألوهية ومطلق الربوبية، وهو المدبر للكون والعالمين، ليس له في ذلك معين ولا مجير ولا نديد (وليذكر أولوا الألباب) أي وليذكر ويتعظ أهل الاعتبار والازدجار من أولي العقول المستنيرة، والفطانة الكبيرة دون غيرهم من الصّم العمي الذين لا يستوقفهم منطق سليم، ولا يستجيبون لحق أو يقين 65.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت