قوله: {فإن جاءوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم} هذا تخيير من الله لرسوله صلى الله عليه وسلم بين الحكم في أهل الذمة من اليهود أو الإعراض عنهم - أي إن جاءك هؤلاء متحاكمين إليك فيما شجر بينهم من الخصومات {فاحكم بينهم} أي بما أراك الله {أو أعرض عنهم} من غير أن تعبأ بهم أو تكثرت، فهذا تخيير للنبي صلى الله عليه وسلم بين الحكم بين أهل الذمة لدى تحاكمهم إلينا، والإعراض عنهم - فالآية على هذا التأويل محكمة لم ينسخها ناسخ - وهو قول فريق من التابعين.
وقيل: إن هذه الآية منسوخة بقوله تعالى: {وأن احكم بينهم بما أنزل الله} وقد روي النسخ عن ابن عباس - وقال به أكثر السلف - وهو مذهب الحنفية والشافعية وآخرين - قالوا: إن النبي صلى الله عليه وسلم كان أولا مخيرا بين الأمرين، ثم أمره الله بإجراء الأحكام عليهم - قال النحاس في"الناسخ والمنسوخ"قوله تعالى: {فإن جاءوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم} منسوخ، لأنه إنما نزل أول ما قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة واليهود فيها يومئذ كثير - وكان الأدعى لهم والأصلح أن يردوا إلى أحكامهم - فلما قوي الإسلام أنزل الله عز وجل {وأن احكم بينهم بما أنزل الله} وقال الشافعي في كتاب"الجزية": ولا خيار له إذا تحاكموا إليه، لقوله عز وجل: {حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صغرون} أي أن من مقتضى صغارهم إجراء أحكام المسلمين عليهم - فإذا وجب ذلك كانت الآية منسوخة.
وعلى هذا وجب أن تجري على أهل الذمة أحكام الشريعة الإسلامية - ومن أقوال الحنفية في هذا المعنى: أهل الذمة محملون على أحكام الإسلام في البيوع والمواريث وسائر العقود إلا في بيع الخمر والخنزير فإنهم يقرون عليه ويمنعون من الزنا كالمسلمين فإنهم نهوا عنه.
قوله: {وإن تعرض عنهم فلن يضروك شيئا} قال صاحب الكشاف في تأويل ذلك: كانوا لا يتحاكمون إليه لطلب الأيسر والأهون عليهم كالجلد مكان الرجم - فإذا أعرض عنهم وأبى الحكومة لهم شق عليهم وتكرهوا إعراضه عنهم وكانوا خلقاء بإن يعادوه ويضاروه فأمن الله سربه 106.
قوله: {وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط إن الله يحب المقسطين} روي عن ابن عباس في سبب نزول هذه الآية: كانت قريظة والنضير - وكان النضير أشرف من قريظة، فكان إذا قتل رجل من قريظة رجلا من النضير قتل به، وإذا قتل رجل من النضير رجلا من قريظة أدى مائة وسق وتمر، فلما بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم قتل رجل من النضير رجلا من قريظة، فقالوا: ادفعوه إلينا فقالوا: بيننا وبينكم رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلت {وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط} 107.
وفي الآية يأمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن يحكم بين أهل الكتاب بالعدل - والعدل بتمامه وكماله ما تضمنه شريعة الإسلام - الشريعة الربانية المميزة القائمة على الحق والعدل.
والله جلت قدرته يحب الذين يحكمون بين الناس بالحق والعدل والنصفة - أولئك سينالهم من الله فضل وجزاء كريم فوق ما ينالهم من عاطر الذكر والسيرة مما يستجيش القلوب والألسن أن تديم الثناء والدعاء للمقسطين بالخير.