فهرس الكتاب

الصفحة 419 من 2536

ذلك هو شأن الدنيا كما وصفها الله على أنها متاع الغرور - فهي ما يستمتع به المرء في هذه الحياة القصيرة من لذة وزينة، ما بين طعام يأخذ منه بلغته، أو شراب يحتسيه فيطفئ غلته، أو لباس يحويه فيستر جسده وعورته، إلى غير ذلك من وجوه الملذات والشهوات التي تمضي سراعا والتي تمر مرّ السحاب أو مرّ الزمن بساعاته المتتابعة السريعة - لا جرم أن ذلك هو الغرور، أي الخداع بذاته، الخداع الذي يغتر به الإنسان وهو يطوقه الوهم وإعجابه بنفسه، وتغشى قلبه وفكره سحائب مركومة كثاف من الغفلة والنسيان والاغترار حتى إذا دهمته فاقرة الموت أيقن أن الدنيا سراب وأن كل شيء إلى زوال وتباب.

وبعد ذلك نعرض لجملة أحكام سريعة عن الميت بدءا باحتضاره حتى الدفن في الثرى، فنقول: يستحب أن يلقن الميت المسلم عند الاحتضار شهادة أن لا إله إلا الله؛ وذلك للخبر:"لقنوا موتاكم شهادة أن لا إله إلا الله"289 لتكون هذه آخر كلامه من الدنيا فيختم له بالشهادة - ويستحب أن يقرأ عنده في هذه الساعة سورة"يس"؛ وذلك للخبر:"أقرؤوا يس على موتاكم"290 فإذا قضي وأسلم الروح لباريها كان على الناس ممن حوله إغماض عينيه، وإعلام الصلحاء من المسلمين بموته - ثم يؤخذ بغسله وهو سنة لجميع المسلمين عدا الشهيد في المعترك فإنه لا يغسل - وقيل: غسل الميت واجب، والأول المشهور.

أما التكفين فهو واجب بغير خلاف - وعلى هذا يكفن الميت من ماله فإن لم يكن له مال قام بتكفين من تلزمه نفقته حال حياته وإلا كفن من بيت المال.

والأصل في وجوب التكفين أن رسول الله صلى الله عليه و سلم كفن في ثلاثة أثواب بيض سحولية وكذلك كفن مصعب بن عمير يوم أحد بنمرة فكانوا إذا غطوا بها رأسه خرجت رجلاه، وإذا غطوا بها رجليه خرج رأسه - فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم:"غطوا بها رأسه واجعلوا على رجليه من الأذخر"واتفقوا على أن الميت يغطى رأسه ويطيب إلا المحرم إذا مات في إحرامه فإنه لا يغطي رأسه ولا يمس طيبا - وهو قول الشافعية، خلافا للحنفية والمالكية إذ قالوا: المحرم كغير المحرم في تغطية رأسه وتطييبه.

ويستحب الإسراع في المشي مع الجنازة - وصفة الإسراع ما كان فوق السجية قليلا، والعجلة أفضل من الإبطاء - ويكره الإسراع بما يشق على ضعاف الناس ممن يتبعها - وقد سئل النبي صلى الله عليه و سلم عن صفة المشي مع الجنازة فقال:"أسرعوا بجنائزكم فإنما وهو خير تقدمونه إليه، أو شر تلقونه عن رقابكم"291.

أما حكم الصلاة على الجنازة فإنها واجب على الكفاية كالجهاد وصفتها أن يكبر المصلي أربع تكبيرات غير تكبيرة الإحرام، وهو المشهور من أقوال الفقهاء - وأصل ذلك أن النبي صلى الله عليه و سلم"نعى النجاشي في اليوم الذي مات فيه وخرج بهم إلى المصلى فصف بهم وكبر عليه أربع تكبيرات"292.

أما دفن الميت في التراب فهو واجب بالإجماع - ودليل ذلك قوله تعالى: (ألم تجعل الأرض كفانا أحياء وأمواتا) وقوله تعالى: (فبعث الله غرابا يبحث في الأرض ليريه كيف يواري سوءة أخيه) .

على أنه يكره تجصيص القبور - وهو قول الشافعية والمالكية خلافا للحنفية فقد أجازوا ذلك، إلى غير ذلك من أحكام الموتى مما يقع تفصيله في مظانه من كتب الفقه 293.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت