فهرس الكتاب

الصفحة 52 من 2536

القول الثاني: وهو للأستاذ الشهيد سيد قطب - عليه رحمة الله - فقد ذهب إلى أن الكبيرة هي الدعوة الإسلامية وذلك من حيث الانتماء الوافي إليها ثم حملها في شجاعة وصدق ودراية ثم تبليغها للناس في غير انثناء أو نكوص أو تردد، وتلك مهمة لا جرم أن تكون ثقيلة وكؤود وذلك بالنظر إلى التحديات المتوقعة من الخصوم والحاقدين الذي يملؤون كل أطراف الأرض في كل زمان، والذين سوف يثيرون في وجه الإسلام ودعاته حربا طاحنة ضروسا لا تهدأ إلا بعد المفاصلة الحاسمة التي يعقبها خط واحد أو تصور واحد وهو إما الإسلام أو غير الإسلام.

القول الثالث: هو أن الضمير يعود على الصبر والصلاة كليهما، وقد ذكر الصلاة خاصة، لأهميتها وشمولها ولأنها الأغلب وذلك كقوله سبحانه: (وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها) فقد ذكر كلا التجارة واللهو، لكنه رد الضمير إلى التجارة لشمولها وفضلها، وغلبتها على اللهو وهو داخل أصلا في التجارة وفي تقديرنا أن هذا القول صواب وهو الذي نعتمده مع تعظيمنا وإعجابنا باستنباط القولين السابقين والله جلت قدرته أدرى وأعلم - 42

قوله: (إلا على الخاشعين) أي الخاضعين الخائفين الذين يوجلون من سلطان الله ويرهبون جنابه، وفي الآية بيان بأن كلا الصبر والصلاة أمر ثقيل على النفوس، لا يطيقه إلا من خشع قلبه لجلال الله، واستقامت جوارحه لتظل في خطه - سبحانه- وهداه.

وقوله: (الذين يظنون أنهم ملاقوا ربهم وأنهم إليه راجعون (الذين اسم موصول في محل جر نعت للخاشعين، والجملة بعده صلة الموصول لا محل لها من الإعراب، والظن هنا بمعنى اليقين كما ذهب أكثر أهل العلم وكما ترد كثيرا في القرآن وذلك كقوله: (ورءا المجرمون النار فظنوا أنهم مواقعوها (وقوله: (إني ظننت أني ملاق حسابيه (فالظن هنا بمعنى اليقين لا الشك.

هؤلاء الخاشعين الذين لا يثقل عليهم أمر الصبر والصلاة يعتقدون في يقين لا يعتريه شك أنهم (ملاقوا ربهم (أي راجعون إليه صائرون الى الحشر بين يديه في يوم عصيب تشخص فيه الأبصار.

قوله تعالى: (يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وأني فضلتكم على العالمين واتقوا يوما لا تجزي عن نفس شيئا ولا يقبل منها شفاعة ولا يؤخذ منها عدل ولا هم ينصرون (يذكر الله بني إسرائيل(يعقوب) بأنعمه عليهم وهي كثيرة قد أوتوها في حياتهم، وذلك مثل إنزال المن والسلوى وتظليلهم بالغمام في الصحراء الحارقة المكشوفة، وكذلك بما جعله فيهم من الملك وتعدد الأنبياء والرسل على نحو لم يتسن لأمة لأخرى، غيرهم، وفي ذلك يقول سبحانه في آية أخرى على لسان نبيهم ومنقذهم موسى عليه السلام: (وإذ قال موسى يا قوم اذكروا نعمة الله عليكم إذ جعل فيكم أنبياء وجعلكم ملوكا وءاتاكم ما لم يؤت أحدا من العالمين (بل هذا العطاء الجزيل الذي امتن الله به على بني إسرائيل لم يؤت مثله أحد من الناس، وذلك هو التفضيل المقصود في الآية (فضلتكم على العالمين (فليس لذواتهم هم أنفسهم أو لأنهم من نسل إسرائيل أو لأنهم أمة متميزة ذات اعتبار خاص ومعين كما يصور حاخامات يهود وهم يرددون المقولات المكرورة الفاسدة، وهي لا جرم أن تكون مقولات كاذبة خاطئة قد افتروا فيها على الله زورا، وافتروا فيها على كتبهم السماوية بالبهتان الذي يقوم على التعصب الذميم وعلى التحريف الظالم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت