قوله: {لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم} {كتاب} مرفوع بالابتداء، و {من الله} ، صفة له - و {سبق} صفة أخرى لكتاب - أو حال من المضمر الذي في الظرف - وخبر المبتدأ الذي هو كتاب محذوف - وتقديره: لولا كتاب بهذه الصفة لمسكم 83.
أما كتاب الله السابق ففي المراد فه عدة أقوال:
القول الأول: إن الكتاب السابق هو عفو الله عنهم في هذا الذنب بالذات وقيل: عموم الذنوب - وذلك لما رواه مسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لعمر في أهل بدر: (وما يدريك لعل الله اطلع على أهل بدر فقال: اعلموا ما شئتم فقد غفرت لكم؟) .
القول الثني: إن الكتاب السابق هو ألا يعذبهم الله وفيهم محمد صلى الله عليه وسلم.
القول الثالث: إن الكتاب السابق هو ألا يعذب الله أحدا بذنب آتاه وهو جاهل.
القول الرابع: إن الكتاب السابق هو مما قضى الله من محو الصغائر باجتناب الكبائر.
القول الخامس: إنه ما سبق من إحلال الغنائم؛ فغنها كانت محرمة على ما قبلنا.
القول السادس: إن هذه المعاني جميعها داخلة في عموم اللفظ 84.
قوله: {فكلوا مما غنمتم حلالا طيبا} أباح بذلك أكل الغنائم المأخوذة من المشركين في الحرب - وقد تكلمنا سابقا عن حكمة الإسلام في أخذ الأموال من المشركين في الحرب، وأن الغرض من ذلك إضعاف الأشرار المفسدين في الأرض، وكسر شوكة الظلم والظالمين، الذين يسعون في الأرض خرابا وفسادا؛ فهم إنما يستطيعون الإفساد والتخريب بما لديهم من أسباب، يأتي في أهمها وفي طليعتها المال، الذي يستطيع به الظالمون الغاشمون من تقوية أنفسهم ليجترءوا على محاربة الله ورسوله والمؤمنين، وعلى القدرة على صد الإسلام بمختلف الوسائل في التشويه والتشكيك - فيما ينبغي لهؤلاء الضالين المفسدين في الأرض أن يؤتمنوا على الأموال؛ لأنهم ضالعون في البغي والشر؛ فهم غير موثوق بهم - إنما الذين يوثق بهم ويؤتمنون على الأموال وغيرها من الأمانات على اختلافهم، هم المسلمون الصادقون وحدهم؛ فهم أجدر أن يمسكوا بالمال ليجعلوه في وجوه الخير والبر والصلاح.
قوله: {واتقوا الله إن الله غفور رحيم} أي خافوه باجتناب نواهيه والانزجار عما حذر منه وحرمه عليكم - وفي كل الأحوال فإن الله بعباده لذو مغفرة للناس على تقصيرهم؛ إذ يمحو عنهم الخطايا والذنوب ويستر عليهم الزلات والعيوب - وهو سبحانه {رحيم} الرحيم: الكثير الرحمة 85، لا جرم أن الله بالغ الرحمة بالخلق، عظيم الصفح عما يجترحونه في ك الآناء من الخطايا والسيئات - وهو سبحانه بفضله وسعة امتنانه يتجاوز عن مساءات المسيئين، وعن زلات أهل الزلل 86.
قوله تعالى: {يا أيها النبي قل من في أيديكم من الأسرى إن يعلم الله في قلوبكم خيرا يؤتيكم خيرا مما أخذ منكم ويغفر لكم والله غفور رحيم 70 وإن يريدوا خيانتك فقد خانوا الله من قبل فأمكن منهم والله عليم حكيم} .