لكن الربا يقوم على غير هذا الأساس - فهو في الأصل يقوم على الغرر وقد نهى عنه الرسول (ص) ؛ لما فيه من توهيم وتغرير كبيع السمك في الماء أو الطير في الهواء وهكذا يكون الربا - فآخذه بين احتمالين، فهو إما أن يستفيد مما اقترض ويربح، وإما أن يتعثر ويخسر، لكن معطيه إنما يكون ربحه مضمونا - فهو رابح على التأكيد ولا سبيل له أن يخسر، لكن معطيه إنما يكون ربحه مضمونا - فهو رابح على التأكيد ولا سبيل له أن يخسر؛ لأن الفائدة الربوية المعلومة بالنسبة إليه مشروطة - فهو لا يقرض إلا وهو عالم أن ربحه مضمون ضمن أساس مشروط لا يتخلف - وذلك تغرير وحيف وهو باطل وظلم جعله الإسلام محرما وشدد عليه التغليظ والنكير وتوعد الساقطين فيه حربا في هذه الدنيا ونار جهنم في الآخرة.
وقوله: (فمن جاء موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف) شرط وجوابه.
وجملة ذلك أن من بلغه تحريم الربا فانتهى عن فعله وتعاطيه فقد غفر الله ما سلف من أكل الربا - فما كان من أكل للربا قبل التحريم فقد سقطت تبعته في الدنيا وفي الآخرة، فهو في الدنيا غير مطالب بما زاد على رأس المال أو استزاد - وفي الآخرة غير مؤاخذ عن ذلك؛ لأن من قواعد الشريعة ألا مسؤولية أو جزاء إن لم يكن ثمة التحريم، فإن عليه أن يضع ما كان قد اشترط من ربا، أما الربا الذي أخذه قبل نزول التحريم فلا يلتزم برده؛ لأنه مندرج في قوله تعالى: (فله ما سلف) وقوله في آية أخرى: (عفا الله عما سلف) .
وقد ورد أن النبي (ص) قال يوم فتح مكة:"وكل ربا في الجاهلية موضوع تحت قدمي هاتين، وأول ربا أضع ربا العباس"ولم يأمرهم عليه الصلاة والسلام برد ما أخذوا من زيادة ربوية قبل نزول التحريم؛ لأن الله سبحانه قد عفا عما سلف - قوله: (وأمره إلى الله) الضمير عائد على المكلف المنتهي عن أكل الربا والذي عفا الله له عما سلف، فإن أمره إلى الله سبحانه يبسط له الخير وأسباب الهداية والطاعة ويجعل له من أمره يسرا.
وقوله: (ومن عاد فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون) الذي يعود إلى أكل الربا بعدما جاءه من موعظة وخبر التحريم، فإنه من أصحاب النار الخالدين، وذلك أن استحل لنفسه ما حرمه الله وذلك كفر، فإنه لا يأبى شرع الله ليجد لنفيه من دون الله شرعا آخر إلا من كان كافرا - ويدخل في ذلك من أحل ما حرم الله أو حرم ما أحل الله - واسم الإشارة (أولئك) في محل رفع مبتدأ - (أصحاب) خبره - والجملة الإسمية (هم فيها خالدون) في محل نصب حال.
قوله: (يمحق الله الربا ويربي الصدقات) (يمحق) بمعنى يبطل ويمحو - ومنه تمحّق وامتحق - والمُحاق من الشهر بالضم، برد به الأيام الثلاثة من آخره 346 ومحقه الله ذهب ببركته - والمقصود من الآية أن الله يذهب ببركته الربا وإن كان كثيرا - والمحق الذي يصيب الربا إما أن يأتي عليه بالكلية وإما أن يذهب الله بالبركة ليكون هزيلا في الدنيا مع ما ينتظر صاحبه من عذاب في الآخرة - وفي إنقاص الربا وإذهاب بركته روى الإمام أحمد في مسنده عن ابن مسعود أن النبي (ص) قال:"إن الربا وإن كثر فإن عاقبته تصير إلى قلّ".
وروى ابن ماجه عن ابن مسعود عن النبي (ص) أنه قال:"ما أحد أكثر من الربا إلا كان عاقبة أمره إلى قل".