فهرس الكتاب

الصفحة 1260 من 2536

قوله تعالى: {مثل الذين كفروا بربهم أعمالهم كرماد اشتدت به الريح في يوم عاصف لا يقدرون مما كسبوا على شيء ذلك هو الضلال البعيد} في إعراب (مثل) عدة وجوه، أهمها اثنان هما: الأول: أن (مثل) مبتدأ أول - و (أعمالهم) مبتدأ ثان - (كرماد) ، خبر المبتدأ الثاني - والمبتدأ الثاني وخبره خبر للمبتدأ الأول.

الثاني: أن (مثل) مبتدأ - (أعمالهم) بدل منه - و (كرماد) خبره 22 - هذا مثل لأعمال الكافرين في الدنيا؛ فإنها يمحقها الله في الآخرة؛ إذ يأتي عليها الحبوط فلا تجديهم أيما نفع - مثل ضربه الله لأعمال الكافرين الجاحدين الذين يحادون الله ورسله ويستنكفون عن دعوة الله ومنهجه الحكيم - فبين الله في هذا المثل أن أعمال هؤلاء الجاحدين الخاسرين التي كانوا يعملونها في حياتهم كصلة الأرحام وإنفاق المال في الخير والإعمار وغير ذلك من وجوه الإصلاح والبر - كل ذلك مآله الحبوط لصدوره عن كافرين بالله ورسوله وكتابه أو لابتغائهم بذلك غير وجه الله (وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا) .

قوله: (أعمالهم كرماد اشتدت به الريح في يوم عاصف) (يوم عاصف) ، أي ذي ريح شديدة عاصفة قوية - والعصف معناه شدة الريح - عصفت الريح عصفا وعصوفا: اشتد هبوبها فهي عاصف وعاصفة 23؛ أي أن أعمال الكافرين باطلة كلها؛ فهي مثل رماد عصفت (اشتدت) الريح عليه في يوم ريح عاصف فنسفته وذهبت به - فكذلك أعمال الكافرين يوم القيامة، لا تنفعهم عند الله ولا تنجيهم.

قوله: (لا يقدرون مما كسبوا على شيء) أي لا يقدرون على الانتفاع بشيء من الثواب يوم القيامة على أعمالهم التي عملوها في الدنيا، كعدم قدرتهم على الإمساك بالرماد إذا عصفت به الريح عصفا في يوم شديد الهبوب - قوله: (ذلك هو الضلال البعيد) أي الخسران الكبير - أو الإشارة إلى التيه البعيد عن الحق والصواب والجزاء الحسن 24.

قوله تعالى: {ألم تر أن الله خلق السماوات والأرض بالحق إن يشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد (19) وما ذلك على الله بعزيز (20) } الخطاب لرسول الله (ص) ، والمقصود كل أحد من الناس - والرؤية هنا يراد بها رؤية القلب - والمعنى: ألم ير الإنسان بعين قلبه فيعلم أن الله أنشأ السماوات والأرض بالحق؛ أي بالحكمة والوجه الصحيح؛ فقد خلق ذلك كله منفردا، من غير ظهير له في ذلك ولا معين، ليجد الناس فيما خلقه الله من الدلالات والبراهين الظاهرة المستفيضة ما يشهد في يقين قاطع بأنه المنشئ الموجد، وأنه الخالق الغالب، القادر على إفناء هؤلاء الناس وإذهابهم، ثم يأتي بدلا منهم بآخرين جدد أفضل منهم؛ بل إن ذلك على الله هين ويسير؛ فخلق السماوات والأرض لا جرم أصعب وأعظم من خلق الناس - وما الناس في الكون والكائنات إلا جنسا واحدا من أجناس وأصناف وخلائق لا يعلم عدَّها وكثرة أنواعها وأجناسها إلا الله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت