فهرس الكتاب

الصفحة 189 من 2536

ذلك نهي عن أكل الأموال بغير الحق ويشمل ذلك كل وجوه الأكل الحرام مما تبين عن طريق الكتاب أو السنة - والأكل الحرام يذهب بالبركة، ويرسخ في النفس درن الشرح والجشع، ويشيع بين الناس الكراهية والتحاسد والبغضاء، وينتزع من بين الأفراد كل بقية للمودة أو الثقة أو البركة.

وأكل الأموال بالباطل أو جهة كثيرة، وهي كالرشا والقمار والسرقة والتطفيف في الميزان والمكيال، وكذلك أثمان الخمور والخنازير وأجور النساء الزواني اللواتي يأتين الفاحشة، ثم أكل المهور وغيرها من الأموال عن غير طيب نفس أو الاحتكار والربا والغش والخداع في البيع والتعامل وغير ذلك من أصناف الأكل الحرام الذي يسحت البركة ويودي بالآكلين الظالمين إلى النار - وفي ذلك يقول عليه الصلاة والسلام:"ومن نبت جسمه من حرام، فالنار أولى به".

وقوله: (وتدلوا بها إلى الحكام لتأكلوا فريقا من أموال الناس بالإثم) أي لا تأكلوا أموال الناس بغير حق، ثم تعمدوا بعدها لمصانعة الحكام أو القضاة فترشوهم بالمال لكي يقضوا لكم بالباطل - واعلموا أن أي قضاء من هذا النوع لا يُحل حراما ولا يقلب لكم الباطل حقا، بل إن الحرام لا يتحول عن صفته هذه بالحكم الجائر أو القضاء الباطل - فإذا قضى القاضي لأحد الخصمين بالباطل فما يأكل هذا الخصم إلا الحرام أو النار، ولا يبيت ماله هذا حلالا بمجرد القضاء غير المطابق سيء النية قد جار في حكمه عن قصد - ويمكن القول كذلك أن القاضي لا إثم عليه ولا حرج إذا ما قضى في ضوء ما يتراءى له من بينة جلية كافية، فهو يقضي بحسب الظاهر وليس له بعد ذلك أن ينقب عن القلوب والسرائر.

وقد ورد في الصحيحين عن أم سلمة أن رسول الله (ص) قال لاثنين جاءا إليه يختصمان:"لا إنما أنا بشر، وإنما يأتيني الخصم فلعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض فأقضي له، فمن قضيت له بحق مسلم فإنما هي قطعة من نار فليحملها أو ليذرها"وبذلك فإن الحكم من الحاكم في قضية للمتخاصمين لا يغير الشيء عن حقيقة أمره - فهو لا يحوّل الحرام حلالا ولا يحول الحلال حراما - ولكن الحاكم يحكم على الظاهر من البينة - فلا يحل المال إذا لخصم ذي براعة في التحيّل واختلاق البينات الكاذبة مهما تعددت وتضافرت؛ لأنه يعلم أنه مبطل وأنه مفتر وأنه آكل أموال الناس بالباطل؛ لذلك قال سبحانه في الآية: (وأنتم تعلمون) الواو للحال - (أنتم) ضمير في محل رفع مبتدأ (تعلمون) جملة فعلية في محل رفع خبر.

189 -(يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ)

قوله تعالى: (يسألونك عن الآهلة قل هي مواقيت للناس والحج وليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها ولكن البر من اتقى وآتوا البيوت من أبوابها واتقوا الله لعلكم تفلحون) (الأهلة) مفردها هلال - وهو يطلق على أول ليلة والثانية والثالثة ثم يكون بعد ذلك قمرا - وقيل: يطلق الهلال على الليلتين الأوليين من الشهر وعلى الليلتين الأخريين منه كذلك - وما بين هذين الطرفين يكون قمرا.

وسمي هلالا؛ لأن الناس يرفعون أصواتهم بالإخبار عنه - واستهل بمعنى تبين - نقول استهل الصبي أي صاح عند الولادة فظهرت حياته - وأهل المعتمر أو الحاج رفع صوته بالتلبية - وتهلل وجه الرجل فرحا أو استهل أي ظهر فيه السرور.

ومنه قوله تعالى: (وما أهل به لغير الله) أي نودي عليه بغير اسم الله تعالى وأصله رفع الصوت.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت