فهرس الكتاب

الصفحة 190 من 2536

وقد جاء في سبب نزول هذه الآية أن معاذ بن جبل قال للنبي (ص) : يا رسول الله! إن اليهود تغشانا ويكثرون مسألتنا عن الأهلة، فما بال الهلال يبدو دقيقا ثم يزيد حتى يستوي ويستدير، ثم يتقص حتى يعود كما كان؟

وقيل: سبب نزولها أن قوما من المسلمين سألوا النبي (ص) عن الهلال وسبب محاقة وكماله ومخالفته للشمس في دوام كمالها واستدارتها وعدم نقصانها.

وقوله: (قل هي مواقيت للناس والحج) ذلك جواب عن سؤال السائلين السابق، فالأهلة أصلها القمر - وقد جعله الله متفاوتا مختلفا وعلى منازل تتراوح بين الصغر والكبر أو بين الدقة والاكتمال أو بين السطوع المتلألئ والذبول الشاحب - كل هذه المراحل المتعددة المتعاقبة للقمر بانتظام قدرها الله لتكون (مواقيت للناس) و (مواقيت) مفردها ميقات وهو الوقت - فقد جعل الله من تعدد الأهلة بتعدد الهيئة والصورة للقمر ما يمكن الناس من يسر التعامل والعيش، وذلك بضرب الآجال والمواعيد لتحقيق القضايا والمعاملات وأداء الصوم والحج والالتزام بالعهود والمواثيق والعقود كالإجارات والرهان والمقارضات وسائر أنواع البيوع، إلى غير ذلك مما تقتضيه مصالح العباد - وهي مصالح وقضايا وشؤون تتحدد على أساس من الزمن (المواقيت) ولولا ذلك لتعثرت حياة الناس ومعايشهم فلخالطها اللبس والتنازع والخصام.

ومن تسخير الأهلة الناس كي تكون لهم مواقيت للحج استنبط بعض الفقهاء حكما شرعيا وهو أن الإحرام بالحج في غير أشهر الحج يصح مع الكراهة استنادا إلى هذه الآية - ذلك أن الله جعل الأهلة كلها- على مدار السنة- مواقيت للحج - وقد ذهب إلى ذلك أبو حنيفة ومالك وخالف الشافعي في ذلك محتجا بقوله تعالى: (الحج أشهر معلومات) أما أن تكون الصلة كلها مناسبة للإحرام بالحج استنادا إلى ظاهر قوله: (مواقيت للناس والحج) فذلك مجانب للصواب وهو مرجوح 234.

وقوله: (وليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها) (البر) اسم ليس مرفوع - وهي كلمة جامعة للإحسان والخير - والمصدر من أن تأتوا في محل نصب خبر ليس - والظاهر من السياق للآية أن اتصال السؤال عن الأهلة بإتيان البيوت من ظهورها جاء متفقا فنزلت الآية في القضيتين كليتهما.

وفي سبب نزول هذه الآية ثمة قولان متقاربان: أحدهما: أن الأنصار كانوا إذا جحدوا وعادوا لا يدخلون بيوتهم من أبوابها، فقد كان من عاداتهم أنهم إذا أهلوا بحجج أو عمرة يلتزمون شرعا ألا يكون حائل بينهم وبين السماء - فكان الحاج فيهم أو المعتمر إذا عاد لبيته لا يدخل من الباب، كيلا يحول السقف بينه وبين السماء المكشوفة - فكان من أجل ذلك يتسلق الجدران ليتسنم ظهر بيته وهم يرون ذلك ضربا من النسك أو العبادة - فرد الله تصورهم هذا وبين لهم أن البر هو التقوى والتزامهم بما شرع.

ثانيهما: وهو لابن عباس إذ قال: كان الناس في الجاهلية وفي أول الإسلام إذا أحرم رجل منهم بحج، فإن كان من أهل المدر نقب في ظهر بيته ليدخل منه ويخرج، أو ينصب سلما ليتمكن من الصعود أو النزول بسببه - وإن كان من أهل الوبر فإنه يدخل إلى الخيمة من خلفها إلا إن كان من الحمس - والحمس جمع مفرده الأحمس وهو من الحماسة بمعنى الشدة، وسموا بذلك لشدتهم - فهم بذلك حمس أي شداد - ويدخل في الحمس قبائل عربية ذات شهرة ومكانة منها قريش وكنانة وخزاعة وثقيف وآخرون 235.

في ضوء ما تقدم من بيان لسبب النزول وغيره نود التذكير بالجزأين التاليين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت