قوله تعالى: {فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فإخوانكم في الدين ونفصل الآيات لقوم يعلمون 11 وإن نكثوا أيمانهم من بعد عهدهم وطعنوا في دينكم فقاتلوا أئمة الكفر إنهم لا أيمان لهم لعلهم ينتهون} إن عاد هؤلاء المشركون إلى الحق وأنابوا إلى الله وجانبوا الشرك والوثنية والتزموا أحكام الإسلام بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة؛ فقد صاروا إخوانا لنا في الدين لا يفرق بيننا بعد ذلك أيما فارق من وطن أو إقليم أو لون أو جنس أو لغة أو مذهب، بل إن الجميع بعد ذلك إخوة مؤتلفون مستوون في دين الإسلام.
قوله: {ونفصل الآيات لقوم يعلمون} أي نبين الدلائل والبينات والبراهين ليعيها أهل التفكير وولو العلم - وقد خصهم بذلك؛ لأنهم أحرى أن يقفوا على حقيقة ما أنزل الله دون الجلة والرعاع.
{وإن نكثوا أيمانهم من بعد عهدهم وطعنوا في دينكم} أي إن نقضوا عهودهم من بعد ما عاهدوكم وأعطوكم المواثيق بعدم الخيانة أو مظاهرة أعدائكم عليكم {وطعنوا في دينكم} أي قدحوا في الإسلام وعابوه وانتقصوا من قدره أو ألحقوا به عيب أو مثلبة فقاتلوهم؛ فإنهم بذلك باتوا رؤوسا في الكفر - ويستدل بهذه الآية على وجوب قتل كل من طعن في دين الإسلام، فهو بطعنه ينقلب كافرا - ومن وجوه الطعن أن ينسب خبيث أو مارق إلى الإسلام ما لا يليق به، أو يتقول عليه تقولا يراد به الاستخفاف أو السخرية من هذا الدين المبرأ من كل النقائص والعيوب - لا جرم أنه لا يجترئ على قدح الإسلام والطعن فيه بشيء من وجوه الانتقاض والاستخفاف والافتراء إلا مرتد أثيم أو كافر لئيم - وهو بكفره الشنيع هذا قد انتكس انتكاسا يهوي به في زمرة المرتدين والكافرين الخاسرين الذين نكثوا عهودهم وخانوا الله والمرسلين مع الأشقياء والمقبوحين.
ويلحق بالطاعنين الخاسرين، أولئك الذين يجاوزون في عصيانهم مجاوزة فظيعة تولجهم في الأخسرين الأذلين وهم الذين يسبون الرسول صلى الله عليه وسلم، أو يسبون الذات الإلهية، أو يشتمون الدين الرباني الحق - ومن المعلوم بالضرورة أن دين الله لهم جماع الحق كله، وفيه تنضوي كل المعاني الكريمة في الخير والفضل والرحمة - فشاتم الدين الحق مغال في العتو والتمرد - وأمثال هؤلاء الخاسرين الهلكي يجب قتالهم لقوله سبحانه: {فقاتلوا أئمة الكفر} والأئمة جمع إمام - والمراد به من أقدام على نكث العهد والطعن في دين الله؛ إذ يصير بذبك رأسا من رؤوسه أو إمام من أئمته.
قوله: {إنهم لا أيمان لهم لعلهم ينتهون} أي لا عهود لهؤلاء المشركين الماكرين، فهم مخادعون دجاجلة لا يوفون بعهد ولا يؤتمنون على إيمان أو مواثيق؛ فهم لا تعطفهم أساليب اللين والهوادة عن الشر والعداون - لا يعطفهم إلا أن تكسر شوكتهم وتزال سطوتهم ويتبدد طغيانهم - فلعل في ذلك ما يرجعهم عن الشرك والضلال ويحملهم على إدراك الحق والتزامه 30.
قوله تعالى: {ألا تقاتلون قوما نكثوا أيمانهم وهموا بإخراج الرسول وهم بدءوكم أول مرة أتخشونهم فالله أحق أن تخشوه إن كنتم مؤمنين 13 قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ويخزهم وينصركم عليهم ويشف صدورهم قوم مؤمنون 14 ويذهب غيظ قلوبهم ويتوب الله على من يشاء والله عليم حكيم} .