قوله: {وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ} ذلك إطراء من الله للمؤمنين الذين يتجاوزون عن الإساءات إليهم فيكظمون الغيظ ولا يغضبون إذا ما استُغضبوا - وهذه مَزيّة عظمى تتجلى في خلق المؤمن الصابر ذي الهمة العالية، والعقيدة الراسخة.
إنها مَزيّة حميدة فضلى ينميها الإسلام بعقيدته وتعاليمه في المسلم؛ ليستعلي على شدة الانفعال وعلى سَوْرة الغضب فيجنح للصفح والتجاوز عن أسباب الإثارة والاستفزاز إذا ما انتابته بواعث الإثارة والاستغضاب - وضبط النفس في ساعة الغضب سجية كريمة وخصلة عظيمة أثنى عليها الإسلام أيما ثناء؛ لأنها تكشف عن شجاعة المرء وعن مبلغ حلمه وسعة صدره ومدى اصطباره وهو يمسك بخطام نفسه كيلا يستخفه الغضب فيزلّ ويضلّ ويهوي - وفي هذا الصدد من إطراء المؤمن الصابر الصافح عن الإساءة، أخرج البخاري ومسلم وأحمد عن أبي هريرة (رضي الله عنه) أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"ليس الشديد بالصُّرَعَة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب".
قوله: {وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ} المؤمنون يستجيبون لله فيبادرون بالطاعة وفعل الصالحات - وفي مقدمة ذلك أن يقيموا الصلاة {وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ} وهذه واحدة من خصال المؤمنين الصادقين الطائعين؛ فإنهم يتشاورون فيما بينهم في سائر أمورهم سواء في أحوال السلم أو في أحوال الحرب - فديدن المؤمنين الصادقين الأوفياء أنهم يتشاورون في سائر أمورهم ليخلُصوا إلى القول السديد، أو الرأي السليم النافع بعيدا عن ظواهر الطغيان في الرأي والاستبداد به والاستئثار.
قوله: {وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ} أي يبذلون مما أعطاهم الله من أموال في وجوه الخير فيتصدّقون به على الفقراء والعالة والمحاويج - وهذه واحدة من خصال المؤمنين المتقين الذين يَسْتَعْلُون على الأثرة والشح وعلى الضن بالمال على الضعفاء؛ إنهم أسخياء كرماء يبذلون أموالهم في سبيل الخير على اختلاف وجوهه ومناحيه، وهم في ذلك لا يبتغون من الناس ثناءهم وشكرهم، وإنما يبتغون به مرضاة الله وحده والفوز بالسعادة والنجاة في الآخرة.
قوله: {وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ} البغي معناه الظلم والتعدي وكل مجاوزة وإفراط على المقدار الذي هو حد الشيء فهو بغي 35 وهذه واحدة أخرى من صفات المؤمنين الراسخين في العقيدة والإيمان وهي العزة والاستعلاء على الباطل والمبطلين - وعلى هذا إذا أصابهم من المشركين ظلم أو عدوان انتصروا منهم لأنفسهم ولم يستيئسوا أو يهنوا أو يذعنوا للذل والاستكانة والضعف وغير ذلك من وجوه الاستسلام والخور التي تنافي عقيدة الإسلام وأخلاق المسلمين الصادقين؛ فقد بغى المشركون الظالمون على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى المؤمنين معه إذْ آذوهم وأخرجوهم من وطنهم فمكّن الله لهم في الأرض تمكينا ثم أذن لهم بقتال الظالمين لبغيهم عليهم وانتصارا لأنفسهم منهم - وهو قوله: {أُذن للذين يُقاتَلون بأنهم ظُلِموا} .
ويفهم من ذلك أن يكون المسلمون أقوياء في أنفسهم - أقوياء في عقيدتهم وكل مقوماتهم النفسية والروحية والعلمية والمادية؛ كيلا يكونوا عاجزين ولا مقهورين ولا مستذلين للطغاة والكافرين؛ بل قادرين على الانتقام ممن بغى عليهم من الكافرين الظالمين.