قوله: {رحمة من ربك} {رحمة} منصوب على أنه مفعول به، أي للرحمة - وقيل: منصوب على الحال 1 أي إنا كنا مرسلين راحمين {إنه هو السميع العليم} يصف الله نفسه بأنه السميع لما يقوله المشركون فيما أنزله إليهم من كتاب وما أرسله إليهم من رسول - وهو سبحانه العليم بما تخفيه صدور هؤلاء المشركين وغيرهم من المقاصد والخفايا.
قوله: {رب السماوات والأرض وما بينهما} تقرأ {رب} بالجر على أنه بدل من {ربك} وبالرفع على أنه خبر لمبتدأ محذوف وتقديره: هو رب السماوات والأرض - والمعنى: أن الذي أنزل الكتاب على رسوله ليكون لهؤلاء المشركين رحمة من ربه {رب السماوات والأرض وما بينهما} أي خالقهما ومالكهما والمتصرف في تدبير أمرهما وما بينهما من أشياء وكائنات.
قوله: {إن كنتم موقنين} أي إن كنتم متحققين من أن الله رب السموات والأرض وأن هذا القرآن منزل من عنده وأن محمدا صلى الله عليه وسلم مرسل من ربه.
قوله: {لا إله إلا هو يحيي ويميت} أي لا معبود سوى الله، فهو الخالق السماوات والأرض وخالق كل شيء فلا تصلح العبادة إلا له وهو سبحانه المحي الذي يبعث الحياة في الخلائق فيكون لها سعي وحركة و دبيب - وهو سبحانه المميت الذي ينزع من الخلائق ظاهرة الحياة والحركة والحس لتموت وتفنى.
قوله: {ربكم ورب آبائكم الأولين} الله الذي له ملكوت كل شيء، فهو مالك الناس وآبائهم السابقين ومالك من بعدهم إلى يوم الدين - فلا جرم أنه أحق أن تفردوه وحده بالعبادة دون غيره من الأنداد المزعومة والآلهة المصطنعة 2.
قوله تعالى: {بل هم في شك يلعبون 9 فارتقب يوم تأتي السماء بدخان مبين 10 يغشى الناس هذا عذاب أليم 11 ربنا اكشف عنا العذاب إنا مؤمنون 12 أنى لهم الذكرى وقد جآءهم رسول مبين 13 ثم تولوا عنه وقالوا معلّم مجنون 14 إنا كاشفوا العذاب قليلا إنكم عائدون 15 يوم نبطش البطشة الكبرى إنا منتقمون} .
المشركون مرتابون مضطربون في إيمانهم، فهم ليسوا موقنين ولا جادين فيما يظهرونه من الإيمان إذ قالوا: إن الله خالقهم، بل إن قولهم هذا يخالطه اللعب والتردد والاستسخار.
قوله: {فارتقب يوم تأتي السماء بدخان مبين} ارتقب معناه انتظر - ويقال ذلك في المكروه - والمعنى: انتظر يا محمد بهؤلاء المشركين يوم تغشاهم السماء بدخان ظاهر يراه كل أحد - وفي حقيقة الدخان قولان:
القول الأول: إن النبي صلى الله عليه وسلم دعا على قومه المشركين بمكة لما كذبوه فقال:"اللهم اجعل سنيهم كسنيّ يوسف"فارتفع المطر وأجدبت الأرض وأصابت قريشا شدة المجاعة حتى أكلوا العظام والكلاب والجيف - فكان الرجل لما به من الجوع يرى بينه وبين السماء كالدخان - وهذا قول ابن عباس في رواية عنه وقال به ابن مسعود - وجملة ذلك أن هذا الدخان إنما يراد به الظلمة التي في أبصارهم من شدة الجوع - وذكر في تفسير الدخان بهذه الحالة أن في سنة القحط يعظم يبس الأرض بسبب انقطاع المطر ويرتفع الغبار الكثير ويظلم الهواء وذلك يشبه الدخان ولهذا يقال سنة المجاعة الغبراء.