فهرس الكتاب

الصفحة 381 من 2536

وقيل: (أو) بمعنى إلا أن - فتقدير المعنى: إلا أن يتوب عليهم وإلا أن يعذبهم 214 ومعنى الآية أنه يخاطب نبيه صلى الله عليه و سلم مبينا له أنه عبد مأمور ينر الناس ويبلغهم دعوة الحق وليس له بعد ذلك من مصير الناس أو مردهم شيء، بل إن ذلك كله لله، فهو سبحانه مالك أمر الناس جميعا، يصنع بهم ما يشاء من الإهلاك أو الهزيمة أو التوبة إن أسلموا أو أن يعذبهم، فإن عذبهم فإنما يعذبهم؛ لأنهم ظالمون يستحقون التعذيب.

ومما يستقاد في هذا الصدد أن الله نهى نبيه صلى الله عليه و سلم عن لعن القوم أو الدعاء عليهم بالهلاك إشفاء لغليل أو إذهابا لغيظ تراكم من فرط ما فعله المشركون من فضائع الكيد والعدوان على الإسلام والمسلمين، لكن القلب المؤمن الكبير المتميز الموصول بالله والذي لا يضاهيه قلب في القلوب جميعا، ما كان ينبغي أن يكون كبقية القلوب لدى الأناسي في ذلك الزمان ولا في غيره من الأزمان - ولكن هذا القلب الذي يفيض بالإيمان وبالغ التقوى لا جرم أن يكون قمينا بالتسامي في الدرجات المعالي من التسامح والرحمة والبر بالخليقة - فهو أجدر أن يستنكف عن لعن القوم أو الدعاء عليهم بالاستئصال والإبادة - ولئن احتمل وغفر وصابر وعفا لسوف يجد في مقبل الأيام أن هؤلاء الأشرار الظلمة قد انقلبوا مؤمنين خيارا بعد أن فاءا إلى الصواب والرشد فباتوا من أشد الغيورين على دعوة الله.

قوله: (ولله ما في السماوات وما في الأرض يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء) .

والمقصود من هذه الآية التأكيد على ما ذكر مما اقتضاه قوله سبحانه: (ليس لك من الآمر شيء أو يتوب عليهم) فالأمر في ذلك كله لله، سواء في ذلك التوبة والغفران أو الحساب أو العقاب أو المخلوقات والكائنات والأشياء جميعا - وإنما ذلك من عداد الملكوت الكبير مما هو منوط بإرادة الله ومشيئته - على أن رحمة الله بالعباد بالغة السعة - لا جرم أن رحمة الله تفيض على الحياة والكائنات جميعا بما ينعكس على الوجود كله بالخير والبركة والنور المشعش، ومن جملة ذلك أن الله جل جلاله غفار للخطايا والذنوب والآثام مهما كثرت أو تراكمت - فقال سبحانه في الآية: (والله غفور رحيم) .

قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا الربا أضعافا مضاعفة واتقوا الله لعلكم تفلحون) ينهى الله في هذه الآية عن تعاطي الربا وأكله أضعافا مضاعفة - وذلك هو شأن الناس في الجاهلية كانوا يقولون لدى التداين وقد حل أجل الدين: إما أن تقضي وإما أن تربي فإن قضاه وإلا زاده في المدة وزاد الآخر في مقدار الدين - وهكذا كل عام فربما تضاعف القليل حتى يصير كثيرا مضاعفا.

قال الرازي في هذا الصدد: كان الرجل في الجاهلية إذا كان له على إنسان مائة درهم إلى أجل فإذا جاء الأجل ولم يكن المديون واجدا لذلك المال قال: زد في المال حتى أزيد في الأجل - فربما جعله مائتين ثم إذا حل الأجل الثاني فعل مثل ذلك، ثم إلى آجال كثيرة فيأخذ بسبب تلك المائة أضعافا فهذا هو المراد من قوله: (أضعافا مضاعفة) - و (أضعافا) منصوب على الحال - و (مضاعفة) نعته.

قوله: (واتقوا الله لعلكم تفلحون) يأمر الله المؤمنين أن يخافوه فيجتنبوا أكل الربا - فإنما يجتنب أكل الربا من دخل في زمرة الفالحين وهم الفائزون الناجون.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت