قوله تعالى: {وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ} : ذلك إعلان من الله للناس يبين لهم فيه أنه لم يخلق السماء والأرض عبثا وما أنشأهما للهو أو لغير حكمة ربانية بالغة - حكمة مقدرة مسطورة من وراء الوجود كله ومن وراء الكائنات جميعا؛ ليبين للعالمين أن السماوات والأرض وما فيهما وما بينهما من خلائق وأحياء لم يكن ذلك باطلا، بل خلقهم الله ليعبدوه ويوحدوه ويفردوه في الإلهية والربوبية ثم يجمعهم يوم القيامة ليلاقوا الحساب، فيجازى المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته وعصيانه - وهذه حقيقة مقدورة كبرى منافية لما يظنه الكافرون الضالون الذين يحسبون أن المؤمن والجاحد سواء وأنهم جميعا صائرون إلى نتيجة واحدة وهي الموت، الذي لا بعث بعده ولا حياة وهو قوله سبحانه: {ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ} أولئك سادرون في الضلال، مكذبون بيوم الدين فلهم الويل وسوء المصير.
قوله: {أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ} ذلك عدل الله المطلق وحكمته البالغة العظمى - فلا يساوي الله بين المؤمنين والكافرين - ولا يعدلُ العبدَ المنيبَ الصالح بالشقي الطالح، فكل سارب في سبيله سواء في الدنيا أو في الآخرة التي يساق فيها المؤمنون إلى الجنة ويساق المجرمون المكذبون إلى الجحيم.
قوله: {كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ} أي هذا القرآن كتاب أنزلناه إليك يا محمد
{مبارك} فيه البركة والخير والبهجة والسعادة للعالمين
{لِيَدَّبَّرُوا آَيَاتِهِ} أي ليتعظ ويعتبر أصحاب العقول النيرة ما في هذا
الكتاب الحكيم من روائع المعاني والبينات، فيستقيموا ويسلكوا بذلك سبيل الرشاد.
قوله: {وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ} : ذلك إخبار من الله تعالى بأنه وهب لنبيه داود سليمان نبيّا؛ فقد منَّ به عليه بكونه نبيا وقد كان لداود بنون آخرون؛ إذ كان له مائة زوجة.
قوله: {نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ} المقصود بالمدح محذوف وتقديره سليمان وذلك ثناء من الله على هذا النبي الكريم سليمان عليه الصلاة والسلام؛ إذ كان أوّابا أي مسبِّحا كثير العبادة والإنابة إلى الله.
قوله: {إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ} : (العشي) بعد الزوال، و {الصَّافِنَاتُ} جمع صافنة، والمذكر صافن، والصافن من الخيل: القائم على ثلاث وطرف حافر الرابعة - و {الْجِيَاد} السراع - فقد عُرض على سليمان الخيل الصامتات الجياد، وكانت عشرين فرسا ذات أجنحة - وقيل: مائة فرس، وقيل: كانت عشرين ألفا.