فهرس الكتاب

الصفحة 1048 من 2536

قوله: {يحلفون لكم لترضوا عنهم فإن ترضوا عنهم فإن الله لا يرضى عن القوم الفاسقين} هؤلاء المنافقون الذين فرحوا بتخلفهم عن الجهاد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يحلفون للمؤمنين بالباطل والزور اعتذارا عن تخلفهم عن الخروج إلى تبوك لكي يرضى عنهم المؤمنون ويصفحوا عنهم - ويحذر الله المؤمنين من قبول معاذيرهم أو الرضى عنهم - ولئن رضوا عنهم -لعدم علمهم بما تخفيه صدورهم من الخبث والكيد- فإن الله لا يرضى عنهم؛ فهم خارجون عن دين الله وطاعته 174.

قوله تعالى: {الأعراب أشد كفروا ونفاقا وأجدر ألا تعلموا حدود ما أنزل الله على رسوله والله عليم حكيم} {الأعراب} جمع أعربي، وهو البدوي الذي يطلب مساقط الغيث والكلأ سواء كان من العرب أو من مواليهم - ويجمع الأعرابي على الأعراب والأعاريب وهم سكان البادية 175، والأعرابي إذا قيل له: يا عربي، فرح، لكن العربي إذا قيل له: يا أعربي، غضب له - فمن استوطن القرى العربية فهم عرب - ومن نزل البادية فهم أعراب.

وقيل: إنما سمي العرب بهذا الاسم؛ لأن أولاد إسماعيل نشأوا بعربة وهي من تهامة، فنسوا إلى بلدهم، وكل من يسكن جزيرة العرب وينطق بلسانهم فهو منهم؛ لأنهم إنما تولدوا من أولاد إسماعيل - وقيل: سموا بالعرب؛ لأن ألسنتهم معربة عما في ضمائرهم - واللسان العربي مختص بأنواع من الفصاحة والجزالة لا توجد في سائر الألسنة 176.

والمعنى المقصود هنا: أن الأعراب أشد جحودا وعصيانا لله وأعظم نفاقا من أهل الحضر في القرى والأمصار، وقد وصفهم الله بذلك؛ لشدة جفائهم، وقسوة قلوبهم، ولقلة ما يستمعون إلى أهل العلم؛ فهم أبعد الناس عن معرفة السنن وسماع التنزيل؛ فهم بذلك أقل علما ودراية بحقوق الله {وأجدر ألا يعلموا حدود ما أنزل الله على رسوله} و {حدود ما انزل الله} ، أي شرعه وأحكام دينه - والأعراب اخلق وأحق من غيرهم أن لا يعلموا حدود ما أنزل الله على رسوله من الأحكام والفرائض - قوله: {والله عليم حكيم} عليم بحقائق الخلق وبما تكنه الصدور من نوايا - وهو كذلك حكيم في تقديره وتعريفه لشؤون الخلق والعباد 177.

قوله تعالى: {ومن الأعراب من يتخذ ما ينفق مغرما ويتربص بكم الدوائر عليهم دائرة السوء والله سميع عليم 98 ومن الأعراب من يؤمن بالله واليوم الآخر ويتخذ ما ينفق قربات عند الله وصلوات الرسول ألا إنها قربة لهم سيدخلهم الله في رحمته إن الله غفور رحيم} نزلت في الأعراب كانوا يعدون ما يؤخذ منهم من الصادقات أو الزكاة أو غير ذلك من نفقه في سبيل الله -مغرما - وهو الغرم أي الخسارة - وكذلك كانوا يعتقدون أن ما ينفقونه في الجهاد أو غيره من وجوه الخير خسرا أو غرامة وهي ما يلزم أداؤه، أو كل نفقة لا تهواها النفس، أو هي إلزام ما لا يلزم 178.

هذه هي حقيقية المنافقين من الأعراب الجفاة، إذ ينفقون أموالهم وهم يعدون أنها جزية أو خسرا يؤدونه قسرا، فلا ينفقونها إلا رياء وتقية.

قوله: {ويتربص بكم الدوائر} أي ينتظرون بالمؤمنين البلايا والمصائب التي يرجون أن تحل بهم وبدارهم - ليتخلصوا بذلك من ظل الإسلام ومن أداء الزكاة، ثم يركنون بعد ذلك للشرك والباطل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت