قوله: (والله سميع عليم) أي أن الله سميع لما قاله المؤمنون للرسول صلى الله عليه و سلم فيما شاورهم فيه من موضع لقاء العدو، فمن قائل: اخرج بنا إليهم حتى نلقاهم خارج المدينة، ومن قائل له: لا تخرج إليهم وأقم بالمدينة حتى يدخلوها علينا، ومما يشير عليهم الرسول صلى الله عليه و سلم بأصلح الآراء وغير ذلك من أمرك وأمورهم.
قوله: (إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا والله وليهما) الهم يحتمل عدة معان فقد يراد به العزم، وقد يراد به الفكر، وقد يراد به حديث النفس، وقيل غير ذلك - والطائفتان اللتان همتا بالفشل وهو الجبنن والخور، هما حيان من الأنصار وهما بنو سلمة من الخزرج وبنو حارثة من الأوس، وذلك لما انهزم عبد الله بن أبي بن سلول، همت الطائفتان باتباعه لكن الله عصمهم فثبتوا مع الرسول صلى الله عليه و سلم، وهذا مقتضى قوله: (والله وليهما) 210.
قوله: (وعلى الله فليتوكل المؤمنون) الله جل جلاله يدعو عباده المؤمنين أن لا يركنوا إلا إلى جنابه العظيم، وأن يعتمدوا عليه في كل الملمات والأهوال، فهم لا يدهمهم داهم عصيب، ولا تقرعهم نائبة من النوائب إلا توجهوا بقلوبهم إلى الله وحده، فهو وليهم وحافظهم ومثبتهم - وهو الذي يبدد عدوهم ويثير في نفسه الهلع والذعر ليبوء بالهزيمة والفشل، فلا ينبغي للمؤمنين بعد هذا النداء الرباني المجلجل أن يركنوا للبشر كما يركن كثير من المغفلين الفاشلين الذين يذهلون عن الله ذي الملكوت، ليعولوا في أهوائهم وفي وجدانهم على الخلائق من الساسة والطغاة والمتجبرين، حتى إذا سقطوا في عار الهزيمة وذاقوا وبال أمرهم من الانهيار والتداعي عرفوا أنهم ضلوا الطريق والتفكير.
قوله تعالى: (ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة فاتقوا الله لعلكم تشكرون) بدر مكان بين مكة والمدينة تعرف ببئر ماء منسوبة إلى رجل حفرها يقال له بدر - والمعنى أن الله نصر المسلمين بقيادة الرسول صلى الله عليه و سلم يوم بدر، وكان يوم جمعة السابع عشر من شهر رمضان من سنة اثنتين من الهجرة، وهو يوم الحسم والفرقان؛ إذ أعز الله فيه الإسلام والمسلمين وهزم الشرك والمشركين.
قوله: (وأنتم أذلة) جملة اسمية في محل نصب على الحال - وإنما كانوا أذلة؛ لقلة عددهم إذ كانوا ثلاثمائة، وكان عدوهم يبلغ الألف - يضاف إلى ذلك ضعف الحال وقلة المال والسلاح، وفي مقابلة ذلك كان المشركون مدججين بالسلاح ومزودين بكل زاد من زاد الدنيا.
قوله: (فاتقوا الله لعلكم تشكرون) يعني اتقوا ربكم بطاعته واجتناب محارمه ونواهيه، ليكون ذلك منكم شكرا له سبحانه على ما امتن به عليكم من النصر على عدوكم وإظهار دينكم وإعلان شأن الإسلام وعزه مع أنكم كنتم ضعفة تقاتلون عدوا قويا متمكنا متربصا - لا جرم أن ذلك فضل من الله ومنة، يستوجبان منكم الشكران بالطاعة والانزجار عن المعاصي.