وهذا بيان من الله لمن يتعظ أو يتدبر كيلا تغره الحياة الدنيا ولا تفتنه المباهج والزينة والمتاع الزائل.
الله يبين لعباده أنه ما أكثر الأمم الغابرة، والسابقين من الأجيال والأقوام الذين استغرقوا في الشهوات والزينة وأخذوا من خيرات الدنيا بحظوظ كثيرة؛ فكانوا خيرا من هؤلاء المشركين في فاخر أثاثهم وحسن بيوتهم ومساكنهم وجمال هيئاتهم ومناظرهم؛ لقد كانوا أحسن من هؤلاء المشركين فيما استمتعوا به من زينة الحياة الدنيا وما فيها من وجوه النعم الزائلة، ثم صاروا بعد ذلك كله إلى الهلاك والفناء فأصبحت ديارهم خاوية، وباتوا جميعا أثرا بعد عين - فماذا تغني الزينة والأموال والمفاخر المادية والشهوات بعد المصير المحقق المنتظر الذي يؤول إليه كل حي، وهو الموت والفناء 46.
قوله تعالى: (قل من كان في الضلالة فليمدد له الرحمن مدا حتى إذا رأوا ما يوعدون إما العذاب وإما الساعة فسيعلمون من هو شر مكانا وأضعف جندا(75) ويزيد الله الذين اهتدوا هدى والباقيات الصالحات خير عند ربك ثوابا وخير مردا (76) .
يقول الله جل وعلا لهؤلاء الضالين السفهاء الذين يفاخرون بزينة الدنيا وحظوظها من الأموال والأثاث وحسن المظهر (فليمدد له الرحمن مدا) جواب للشرط (قل من كان في الضلالة) والمدّ، والإمداد بمعنى الإمهال والبسط 47.
والطلب أو الأمر بالمد هنا، في معنى الخبر؛ أي من كفر بالله وضل عن سبيله وغفل عن الآخرة وتلهى بمتاع الحياة الدنيا، مد الله له وأمهله بطول العمر واستدرجه بالعطاء من الخيرات والزينة (حتى إذا رأوا ما يوعدون) أي لا يزالون غافلين عن الحق، لاهين في التفاخر بالحظوظ الدنيوية إلى أن يعاينوا الموعود رأي العين وهو (إما العذاب وإما الساعة) (إما) ، حرف عطف ومن معانيها التفصيل - وكلا (العذاب) و (الساعة) منصوب على أنه بدل من قوله: (ما يوعدون) المنصوبة بقوله: (رأوا) وتفصيل للموعود 48، والمراد بالعذاب، ما كان في الدنيا من قهرهم واستيلاء المؤمنين عليهم - والمراد بالساعة، أن تغشاهم غاشية القيامة بما فيها من نكال وأهوال.
قوله: (فسيعملون من هو شر مكانا) (فسيعملون) جواب للشرط - والمعنى: أن هؤلاء المكذبين الغافلين إذا عاينوا ما يوعدون من عذاب الدنيا والآخرة، عندئذ سيعلمون مَن مِن الفريقين أسوأ حظا وشر مصيرا وعاقبة (وأضعف جندا) فقد كان المشركون التائهون اللاهون يتفاخرون بكثرة العشيرة والأنصار والرؤساء والوجهاء، فإذا عاينوا الموت ثم سيقوا بعد ذلك إلى الحشر والحساب أيقنوا أنهم الأخسرون وأنهم لن تنفعهم زينتهم وأموالهم وأعوانهم من الرؤساء والزعماء - وأيقنوا أيضا أن هذه الفئة المؤمنة التي كانت في الدنيا موضع استسخارهم وتحقيرهم، هم الآن الأعلون وهم الفائزون الآمنون.
قوله: (ويزيد الله الذين اهتدوا هدى) جملة مستأنفة سيقت للإخبار بذلك، وهو بيان حال المهتدين عقب بيان حال الضالين - وقيل: عطف على (فليمدد) وضعّف كثيرون كونه عطفا 49 - المعنى: أنه يزيد المؤمنين المهتدين يقينا وثباتا على الاهتداء بما يبينه لهم من الآيات والحجج.